الإعلام يستحمرنا

Posted on أغسطس 28, 2012

0


تتلو المذيعة الخبر الأول عن فلسطينيٍ يُدعى فلان أطلق النار من بارودة صيد على سوريين في محال تجارية في بقعةٍ محددة من منطقة صيدا. تسترسل المذيعة لتتلو الخبر الثاني من النشرة الأخبارية المحشوة، الخبر نفسه بصيغة مغايرة، أصيب مقيمان سوريان يعملان في محلٍ لبيع كذا برصاصٍ أطلقه مسلحين اتجاههما في المنطقة المحددة أعلاه في مدينة صيدا. الإعلام يستغبينا، يتلو الخبر نفسه بصيغةٍ مختلفةٍ ونحن نتكفل بإتمام مهمته، البلد يخرب، لا أمن فيه ولا استقرار، هذا ما يريده الإعلام، أن يشعل النار في برميل البارود فينفجر الوطن بمن فيه، لا يهم إن كان الكلام صادقًا أو مزيفًا، لا هم إن كانت الحقيقة هي من تشوّه لتخدم مصالح من يسكن خلف الإعلام.
يتكلّم المذيع بلا استحياء، لا يخجل من أن يتحوّل إلى ببغاء يردّد الدرس الذي حفظه في المطبخ الإعلامي، ينسى رسالته الإعلامية ومواثيق حفظها عن الحقيقة والموضوعية، يجد نفسه في مأزقٍ مع المهنية لا يلبث أن يتجاهله أمام بريق الأخضر وسلطان المنصب والنفوذ. يتجاهل الإعلامي اللعب على أوتار الحقن والتجييش وإثارة النعرات. المهم عنده المخطط المرسوم من قبل المؤسسة الإعلامية ومن خلفها دول الدعم وأصحاب الأموال. الحديث عن إعلام بريءٍ أضحى نكتة، الحديث عن صحافةٍ نزيهةٍ همّها إيصال الكلمة الحرّة للناس أضحى مجرد سراب.
كيف نحدّد مواقفنا في ظلّ هذا الاستلشاق بقدسية الخبر والحقيقة، كيف نحدّد خطّة سيرنا وطريقنا ونحن أمام هذا الضخّ الهائل من الأخبار. لا هم للوسيلة الإعلامية إلّا تحقيق السبق الصحافي والحظوة لدى الجماهير حتى ولو كان ثمن ما تدفعه تقديم الوطن قربانًا للشياطين. ونحن نصدّق كلّ ما تتفوّه به تلك الألسن كأنّها آياتٌ مقدّسة من السماء تكذيبها خطٌ أحمر ومحض افتراء. القناع الذي ترتديه وسائل الإعلام عليه أن يسقط، أن تكف عن ادّعائها للحقائق وهي أبعد ما تكون عنها. أن تكفّ عن التلفيق والتضخيم، الأمر لا يستأهل حرق الأوطان من أجل تقديم وجبةٍ دسمةٍ من نشرات الأخبار مليئةٍ بالتشويق. الأمر لا يستأهل حرق الأوطان من أجل حفنةٍ من مال وخدمة لمخطّطٍ يبقيها هي على رأس الهرم الإعلامي.
الإعلامي يتحمّل مسؤولية هذا الانحطاط الرهيب الذي يسمح له بأن يفقد مفاتيح المهنية الإعلامية، الإعلامي يتحمّل مسؤولية تفوهه بالأكاذيب والأخبار المعادة والمحشوة لتفريغ عقول المستمعين من أي قدرةٍ على التدقيق.
والمستمع والمشاهد وجمهور الوسيلة هو أيضًا يتحمّل قدرًا من المسؤولية في تحوّله إلى قطيعٍ يُساق خلف بعبعة هذا وجعجعة ذاك. الجمهور هو من يبني قلاع المصداقية الزائفة حول الامبراطوريات الإعلامية للتحول إلى قبلةٍ منزلةٍ متوجبة الإتّباع.
هذا الزمن هو زمن الكذب والنفاق، لا شيء مقدّس فيه، لا خبر ولا صورة ولا حتّى بثٌّ مباشر من الساحات. التلاعب فيه بالعقول غدى في أوّجه، التزييف والتلفيق هي أدوات الاحترافية التّي يملكها. لا شيء مقدّسٌ في هذا الزمان. الحقيقة انتفت، ومصدر الخبر لعبةٌ ومكيدةٌ وعبث سلطان. في هذا الزمان لا مكان إلّا للتروّي، للتدقيق في الكلام المقدّم لنا على الأطباق.
لا شيء صحيحٍ، لا شيء صادق، دمى معلقة بخيوط العار نحن والخبر سواء.

Advertisements
Posted in: إعلامنا