حلم

Posted on أغسطس 25, 2012

0


أحلم ببلادٍ لا ترقص على حافة الهاوية، تحمل أرواح أهلها على كفّها ومن جوفها تفرغ دمائهم وتبتلع هياكلهم من دون أن تشبع. أحلم بوطنٍ يستطيع أن يتراءى لك بعد عشر سنين، لا يساوم على غده بأمسه، تبني فيه وأنت تعلم أنّ شيئًا لن يزعزع كيانك، تعرف أنّ يدك ممدودة فيه إلى الحياة بدلًا من أن تكون مشروع جثّةٍ متنقلٍ يتبدّل عنوانه مع اختلاف الزمان والظروف. أحلم ببلدٍ لا يهتزّ على وقع طبولٍ لا علاقة له بها، يكون ساحةً ومعتركًا وثمنًا لكنه يومًا لم يكن بطلًا. دفاتر حساباته مكشوفة لكلّ غريب، كلمته مسروقة، ناسه قرابين وضحايا يدفع بهم إلى أتون نيران لاهبة، لا تفرق معه إن مات الشعب أم عاش، طلّقه ومشى، كأنّ من عليه حفنةٌ من الأغراب، لا هو مسؤولٌ عن أمنهم واستقرارهم ولا عن حياتهم وحاجاتهم.
يريد الكل من لبنان أن يشتعل، أن يزجّ نفسه في قلب المعركة ويدفع ما يتوّجب عليه من ثمن. لبنان كرة النار، برميل البارود الذي يحتاج إلى أن ينفجر حتّى تتحقق المخطاطات. قدره أن يكون لعنةً على أهله، عبأٌ يحملون همّه على أكتافهم فيرزح بثقله على هاماتهم فيحنيها. زمنه ضائعه، ناسه جامدون في اللحظة، يحاولون اتّقاء شر الأسوء بعدما ذاقوا السيء من الأمور.
يريد الكل من لبنان أن يتحوّل إلى جبهاتٍ متعددة، معركةٌ مع المخيمات، ومعركةٌ على الحدود الشمالية، وأخرى على جنوبه يكون لها امتدادٌ على غربه ليتحوّل إلى ساحة حربٍ كبيرة مهمّته فيها تأمين القتلى والجرحى وركام الدمار. لا همّ لأحدٍ إن ذهبت الأرض مع الريح، أو ضاع مستقبلها، أو ذبح شبابها أو هرمت قبل أوانها. لا همّ لأحدٍ إن أعجب الأمر من يسكن على ظهرها أو هم فضّلوا الرحيل عنها يومًا من الأيام.
لا يمكن للوضع أن يحلم بالاستقرار، لا يمكن للبلاد أن تستمر باتّقاء الخراب. التوّتر موجود، حاضرٌ ليلعب الدور الذي أعدّ له، التوّتر موجود ليملأ الفراغ، إطلاق نارٍ هنا مخطوفٌ هناك. قطع طريق هنا قنبلةٌ هناك. قنّاصٌ يسكن السطوح وميليشياوي يجول دون خجلٍ في الطرقات. التوتر موجود، كلامٌ محقون أو رصاصٌ عشوائي مخصّصٌ لصناعة الضحايا والأحداث.
البلد لا يهدأ ينام على أزمّة ليستفيق على بلبلةٍ لا تهدأ البال. يلعب الجميع على أرضه دون استثناء، خاسرٌ أو منتصرٌ، متطرفٌ أو معتدل، كلٌ يحمل سلاحه على كتفه ويطلق النار، لتصيب من تشاء المهم أنّهم ليسوا أبنائه ولا أتباعه ولا أحدًا من فريقه المختار. تتدنى قيمة الآخر، روحه تصبح مجرد سراب، أوجاعه، آلامه، معاناته، كلّ ذلك يسقط أمام المصالح والمال.
أحلم بوطنٍ جميل، لا يعيش على شعرةٍ تفصله عن الجحيم، لا يكون أمامه حلّين أحلاهما سمٌّ زعاف. أحلم بوطنٍ لا انفجار فيه ولا أزمة ولا حربٌ ولا انفجار ولا حدود مشتعلة، أحلم بوطن جميل لا أكثر.

Advertisements