ربّ الكلمة

Posted on أغسطس 24, 2012

0


العرب أغبياء، هم أغبياء حقًا، كلمة واحدة، صورة واحدة، قد تقودهم إلى حربٍ شعواء. لو قال لنا أحدهم أنّ ربّنا غبي سنطعنه في قلبه بالصميم، وننزل عليه أشدّ أحكامنا التّي لم يطئها عقل. ستهتزّ روح الانتقام في كياننا ولن تهدأ حتّى نذبح من الوريد إلى الوريد مئاتٍ بل ربّما الآلاف من البشر.
كلمةٌ واحدة، فكرةٌ عابرة، حركةٌ غير مقصودة قد تعمّم على جماعةٍ ما فتقتلعها من جذورها خوفًا من أن تلوّث منابع هذه الأمّة الطاهرة. خوفٌ واحد، تعبأة وتجييش لمحاربة نصوصٍ من بنات عقل أحدهم.
لم يستطع العرب أن يتجاوزوا بعد محنة الكلمة. ينشغلون بالردّ والقيل والقال. كأنّ معينهم لا ينضب، كأنّ في خوفهم بحر كلام، يحاربون بعضهم على أساس ما يتلفّظ به اللسان. يحررون القدس ببعض شعارات، يخرجون من مآزقهم بحروفٍ تتصل ببعضها ليؤلّف سيفًا يسلّط على رقابهم إن هم نطقوا بشيءٍ لا يعجب الآذان، وحدهم يستفزون من صدى الهواء وقرقعته في الأصداء.
عندما تكلّم السيّد عن اللعبة التي تنتج وتباع في معامل الشيعة وتتكلم بألفاظٍ تهين أهل السنّة كان يعرف عمّا يتحدث.
كان يعرف أنّ محض شائعةٍ كفيلة بتحويل البلاد إلى بؤرةٍ من حربٍ لا تكلّ ولا تهدأ، قد تستمر مئة عام، ولا يسفر عنها سوى المزيد من الهياكل والعظام.
كلامٌ غير موثوق يطلق إلى العوام ليوثق رباط العقول ويعميها عن التفكير بصوابية الأمور، ينصّب على عيونها غشاءٌ أسود، كلّ الجموع تقاد خلف سحر المتفوّه الأبله، يقتلون لأنّ حكمًا صدر عن لسانٍ لا يخطأ يلعلع بألفاظ تتقن فنون التعذيب، يستمتع بتخابط البشر حول أسبابٍ قد تُنتسى عند أول قتيل، لتتحوّل بعدها المعارك إلى سلسلةٍ طويلة من الانتقام.
تشتدّ الكلمة على رقابنا، تخنقنا أكثر، بيننا وبينها ثارٌ قديم، أن نظلّ صامتين قانعين خيرٌ لنا من أن نغرق في لظى بركانها الهائج. يتمترس كلّ منّا خلف مصطلحاته ومعانيه، يرفض العبور إلى شطّ الطرف الآخر، يرفض التأكد من صحّة ما نقل إليه، يستمتع بالتصديق المحترف ورد الفعل الأولي العفوي حتّى ولو كان ذاك الفعل من شأنه أن يشعل البلاد كبرميل بارود. لا ينتظر أحدّ أن يقف عند الكلمة التي تقال وينظر إليها بتمعن، لا ينتظر منها أن توضح نفسها وتخلع عنها ثوبًا من الضبابية والتشويه.
كيف لكلمةٍ أن تقتل، كيف لحروفٍ متلاصقةٍ أن تحكم على ملايين من البشر بالجهل والعمى، كيف لكلمةٍ أن تصدر حكمًا نهائيًا بإخماد الأنفاس. لو عرف الجميع أنّ الكلام مجرد هباء، أصواتٌ متناغمةٌ تصدر من الأفواه، لا يمكن أن تعرّف عن قومٍ ولا أن تختصرهم، لو عرف الجميع أنّ الكلام لا يفعل شيئًا، يذوي وينطفأ إذا ما أغفلناه ويشتعل إذا ما أرفق بفعل. لو عرف الجميع أنّ حكمًا بالتكفير لا يحلّل الدماء ما لم يقترن بفعل حزّ الرأس، أو أن يترافق مع رصاصةٍ محدّدة الهدف أو تفجيرٍ مزروعٍ بناءً على صدى أفكارٍ نطق بها بعض القوم. لو بقي كلّ شيءٍ بحدود اللفظ ولم يغرق في مستنقع من الدماء، لو لم نستنفر لكلمةٍ ليتوّلد منه فعلٌ يجر الويلات، هل كنّا سنرى هذا الكمّ من العنف والذبح وتوظيف الكلام لخدمة مصالح الفرقاء.

Advertisements