لو لم يكن من جنّة

Posted on أغسطس 11, 2012

0


السبّاح التونسي الذي فاز بميداليةٍ ذهبيةٍ أهدادها لفلسطين وكلّ العرب اتّهم بالزندقة والكفر. نشرت جماعةٌ دينيةٌ صورًا له وهو يشرب بعد انتهاءه من مباراته، يشرب في شهر الصوم، يجاهر بالإفطار على مرأى العالم الإسلامي المتورع عن محارم الله. تبثّ الصورة ويبدأ التجييش، القتل عادةً وتحليل دماء مرتكب المعصية هو وجهة النظر المشتركة التي يحملها كافة المشاركين في المحاكمة. محاكمةٌ يحضر فيها الشهود والقاضي من دون أن يكون من وجودٍ للمتّهم، ليتكلّم ليدافع عن فعلته، ربّما كان في بدنه ضعفًا، ربّما كان في حوزته عذرًا، لا أحد يسأل، المهم أنّ الشرع الذي يخيطه البشر على مقاسهم قد أفتى بحكمه، وقرّر أنّ هذا الزنديق الكافر لا يستحقّ غير رأسٍ مفصولٍ عن جسد.
من أين لهذه الجماعات أن تأتي بكلّ هذه الثّقة في إصدار الحكم، ترى في نفسها سلطة شرعيةً لا يحقّ لأحدٍ مخالفتها، ترفض سماع أيّ صوتٍ يخالف صوتها، حكمها هو الأصح والأصوب والأقرب لما يريده الله منها، هي تعرف الله أكثر من الجميع، تمارس الطقوس منذ فتحت عينيها على هذه الدنيا، لا يمكن لأحدٍ أن يشكّك بعدالتها. تقنع نفسها وأتباعها بصوابية ما تفعله، يصبح الواحد من الجماعة مسوقًا خلف كلمات الشيخ أو الأمير، لا يسمع إلٌا له، ألفاظه وحيٌ منزل من السماء، غذائه وعشاءه مع الرسول مضمون، هو يعرف ذلك، يستشعر ذلك، المهم أن يسمع الكلام ولا يتعب نفسه بالتفكير، المهم أن لا يقف لهنيهة من الزمن ويسأل نفسه، لماذا أقتل، لماذا أذبح، لماذا أفجّر نفسي بناسٍ عاديين يمشون في الأسواق.
تحليل الدم، أي الموافقة على إهدار الدم بمباركة الشرع والتعاليم الإلهية، يصبح الدم بنظر الجماعات المتشددة سائلًا من ماء، سكبه أهون الأعمال، لا يُنظر إلى الروح التّي فارقت الجسد من دون ذنبٍ حقيقي سوى ما حشي في الرؤوس من قبل المبشّرين الكبار. كأنّ القتل سهل، والنفس البشرية الواحدة عند الله قتلها بقتل الإنسانية جمعاء. تسلب هذه الجماعات من الفرد المنتمي إليها تفكيره، تصوّر له الأشياء كيف تشاء، تحقن في رأسه، تختار ما تشاء من كلام الله ولا تعير اهتمامًا لآخر، ترى في الدين ما يناسبها هي وما تريده، إمارةٌ سوداء، طاعةٌ عمياء لظلٍ يرى في نفسه قدرةً على أن يكون إله، يعرف حقيقة أنّه ليس كذلك، لكنّه يستغفل أتباعه، يعجبه أن يكون ذا سلطةٍ لا أكثر، لا همّ له غير ذلك، لا أكثر.
ترمي الجماعات المتشدّدة بالتكفير من تشاء، تقنع أتباعها بامتلاك مفاتيح الجنان، بالجنّة تقتل الناس، بالجنة تروّع البشر، تقلب الأرض إلى جحيم لتخلو السماء إلّا من الجنة. حلم الجنة هو ما يريده الجميع، البلاد التي ساهمنا جميعًا في تحويلها إلى بقع نارٍ ستكون الطريق الى الجنة، ربّما لو قنعنا بما لدينا من أرضٍ، وكففنا عن التحليق بحثًا عن الجنّة لوجدناها، ربّما لصنعناها بدلًا من السعي لتهشيم الحياة.
الفرق بين التفكير والتكفير عبثٌ بتراتبية الأحرف. هكذا أضحت حياتنا عبثٌ من قبل أيادٍ تعاني من عقد التاريخ، تحمل الماضي كعبإٍ ثقيلٍ على ظهرها وترميه على الحاضر والمستقبل فتدمغه دون أدنى رحمة. بالتفكير نحارب التكفير، نزرع الوعي في عقولنا، ولا ننساق كالهمج الرعاع خلف راعٍ غير مسؤول، يستسهل القتل والخراب وإعاثة الفساد. المفكّر لا يكفّر، لا يحارب الآخرين بجهلٍ وعماه، لا يرمي باللاملموس فيطحن به حياةً واقعة ويدمّر بشرًا أبرياء. المفكّر لا يكفّر، الجنّة عنده ما يعيشه في هذه الحياة، الجنّة عنده أرضٌ طيبة وناسٌ طيبون، لا لحيةٌ وتقطيبة حاجبين وتسبيحةٌ طويلةٌ توّزع أحكامها على البشر.

Advertisements