لكنّني لا أثق بالدولة

Posted on أغسطس 10, 2012

1


هذا العالم عرّى نفسه ومشى، لم يعد بإمكانٍ أحد أن يؤمن حتّى بأبسط فضائله، انقلب فيه الحقّ والباطل، انتفت فيه العدالة، تكسّرت من سمائه مرآة الحقيقة. تراه بألف وجهٍ وبألف لسان، تسمع لكلامه وتعرف أنّه قبل أن تدير ظهرك يوشوش للآخرين بعكس ما قاله لك. يمشي على أطراف مصالحه، لا يمانع سكب الدماء على الأراضي ولا تخريب البلاد، هذا العالم لا يهمّه الضحايا ولا المستضعفون ولا العذابات، كلّ ما يعنيه أن تسير مخططاته أن لا يخذله جنوده الموّزعين في ألف دار، لا يمكنك أن تدافع عن أحدٍ بعد الآن، لا يمكنك أن تؤمن بالطهارة وحسن النوايا والعالم من حولك جحيمٌ يغلي، وأراضٍ تقضم نفسها لهبًا ونار. هذا العالم سأم من كلّ شيء، باع الخير والفضيلة وفضّل ركوب أمواج من الشر لن تهدأ حتّى تبتلع الأقطار، يرفض العالم أن يسير على نهج الصواب، يرفض أن يجازي البطل الشريف ويرجم العميل والخائن بحجارة الخطيئة، يختال العالم بوجهه القبيح، يكشف عن براثنه لنعرف أنّ أيامنا الجميلة راحت دون عودة، يفضّل أن يخلع ثوب اللباقة فهو ليس له، يعرف تمامّا أنّه لا يناسبه، فالعالم جافٌ صلبٌ قاسٍ لا يرحم، يطوّق الجميع بأحكامٍ غير متوقعة يقبض على الأعناق حتّى لا تفلت منه حرّة طليقة، هذا العالم يأس من كلّ ما كان يلوكه من كلام، قرّر من الآن أن يرينا كيف يكون الواقع كما يريده، قرّر أن يبدأ بلعبته القذرة التي تحشرنا نحن في قدرٍ يغلي ويترك النار من تحتنا هادئة، وبين الحين والحين ينفخ فيها لتزداد سعيرًا.

أنا لا أدافع عن أحد، والرجل الذي لم أسمعه يومًا يتكلم بما ينافي منطق الحياة في لبنان قد يكون متهمًا وغير بريء وفي حوزته ألف سلاح، قد يكون عميلًا لإسرائيل أو مرهونًا لدولةٍ أجنبيةٍ غريبة، وقد يكون منفذًّا استراتيجيًا لمخططات مريخيّة لا أحد يعرف كنهها، قد يكون الرجل قاتلًا وزارع قنابل وخائنًا ومرتشيًا، وباحثًا عن المشاكل، قد يكون مخربًا وضليعًا بالمخططات السوداء التّي تعدّ للبلاد، يبحث عن فتيلٍ لإشعال كرّة النار، قد يكون الرجل منافقًا عاش كلّ هذه الأعوام مختبأً بزيٍّ ليس له، يحدّث المستمع بأشياء لا يؤمن بها، قد يكون ممثلًا بارعًا يقبض ثمن أدائه المحترف ألوفًا وملايين، قد يكون الرجل كلّ هذا، لكنّني لم أعد قادرةً على تصديق الدولة التّي احتارت بالتّهم التّي تلصقها به.

تريده متهمًا لا أكثر ولا أقل، تريد أن تنسج قصّةً جديدة ينشغل بها الواقع اللبناني، تهبط على منزله فجأة تعيث وتعبث فيه وتقتاده للاعتقال تحت ثلاث حجج، عميلٌ لإسرائيل ساعة، مخطّطٌ لعمليات اغتيالٍ ساعةً أخرى أو مقتني سلاحٍ وزارع قنابل ومخطط لتفجيرات تهزّ البلاد بأمنه الراقص على أعتاب حافة الهاوية. أنا لا أثق بالدولة، وكيف أثق بحلقاتها التمثيلية التّي تطلّ علينا كلّ فترة، وهي التي لا تلحق أن تخلق بطلًا حتّى تخرّج آخر من مدرستها، كأن هنالك زحمةٌ في تأليف الحكايا وصناعة الأبطال في المنطقة، الستار لا يلحق أن ينسدل على مشهدٍ من مسرحيةٍ حتّى ينفتح على مشهدٍ آخر لا علاقة له بما سبقه لكنّه يدور في فلكه، يخدم نفس الفكرة ونفس الممولين ونفس مضمون الرسالة التّي يُرغب في إيصالها إلى الجمهور.

أنا لا أثقّ بالدولة، ولا أثقّ بقوتها التّي تحاول استعراضها في جهةٍ وتنأى عنها في جهةٍ أخرى، أعرّف تمامًا كيف أطلقت سراح العملاء والإرهابيين، كيف جعلت منهم أبطال، لم تمسح بهم الأرض ولم تحمي أمنها المهزوز كما يجدر بأي دولةٍ محترمةٍ أن تفعل، هذه الدولة أطلقت النار على ناسٍ أبرياء، أسقطت شهداء لا ذنب لهم سوى أنّهم خرجوا يطالبون بحقّهم الطبيعي كمواطنين وبشر، أطلقت رصاصًا حيًا في شتّى المناسبات، حاربت أهلها، لكنها لم تقف سدًّا منيعًا في وجه الأعداء، هذه الدولة لم تحمينا يوم كنّا بأمس الحاجة لها ضحّت بنا ككبش فداء على مذبح الأميركي وحلفاءه من العرب الأنذال. هذه الدولة لا يُعرف رأسها ولا جسدها تتناهشها نزوات القوم، يأكلها الفساد وأكوام المحسوبيات، ترتع على ملعبها الطوائف، تلعب كما يحلو لها، تقتل، تشعل جبهةً، تحرق بلدًا لا يهم المهم أنّ الطائفة راضية قانعة بحالها تعطي نفسها شهادة حسن سلوك.

لأنّني لا أثق بالدولة لا أريد أن أصدّق الاتهامات بحق ميشال سماحة، لا أريد أن أصدّق أنّه يخطّط لعمليات تفجيرات رهيبة أو لاغتيالات شخصياتٍ مهيبة، هذه الدولة لا تستطيع أن تقنعنا بحبكاتها الفنية الضعيفة، لو أنّها كانت قد وقفت من قبل وقفة رجلٍ واحد في وجه العمالة والإرهاب، لو أنّها تشدّدت في فرض الأمن وفي تطهير البلاد من أفواهٍ لا تعرف سوى إثارة النعرات المذهبية والطائفية، لو أنّها لم تقتل ناسًا ولم تحبس رصاصها عن ناسٍ آخرين، لو أنّها واجهت كلّ أزماتها ومشاكلها بحزمٍ ولم تدخل في نفقٍ من المرجعيات والتابعيات الخارجية، لو أنّها فعلت كلّ ذلك قبل أن تداهم منزلًا بطريقةٍ أقل ما يقال عنها أنها غير بشرية، لو أنّها وجهّت اتّهامًا واضحًا لا مزيجًا أبلهًا مكرّرًا ومعادا، لو أنّها فعلت كلّ ذلك ربّما كانت حازت على ثقّتنا المفقودة منذ زمنٍ بعيد، ربّما كنّا علمنا أنّنا لا نعيش في حديقة حيوانٍ تحكمها شريعة الغاب ونزواتٌ لا إنسانية همّها الانتقام وتمريغ الأنوف ومتابعة تنفيذ الأجندات الخارجية التّي لا تتماشى مع أجندة هذا الوطن.

Advertisements