لماذا يموت الفلسطيني؟

Posted on أغسطس 6, 2012

0


المخيم مكانٌ تسكنه كائناتٌ هبطت علينا من السماء، تقول أنّ لها قطعة أرضًا مسلوبة لكنّنا منذ ستين عامًا نحاول البحث عنها دون جدوى. غزّة أرضٌ تقع إلى جانب البحر ومصر، تتملكها ميولٌ انتحارية بين الفينة والفينة، لا أحد يعرف كيف يستمر أهلها بالحياة ، أصلًا هنالك من يثير الشكوك حول إذا ما كانت شبه خلاءٍ أو هي مأهولةٌ بالسكان. فلسطين هي كلمة الهلوسة المشتركة عند العرب، كلّما أراد أحدهم تمرير مخططٍ صاح فلسطين، كلّما أراد آخر تصفية حسابٍ صاح فلسطين، كلّما أراد أحدهم دوس شعبٍ صاح فلسطين. العودة هي الحلم الذي يراود ملايين لم يرحلوا من مكانهم من أول ما ولدوا، يتذكرون أرضًا حكى لهم عنها الأجداد، رسموها بالكلام، ويشتمون رائحتها كلمّا اختلط سائلٌ نزف من أجسادهم على تراب أيّ أرض في هذه الأصقاع.

كأنّ الفلسطيني من ماء، كأنّه رسمٌ كارتونيٌّ يُطعن ليقوم بعد ذلك ويتابع الحياة، كأنّ دمائه صبغةٌ حمراء، لو رأيناه مقطعًا إربًا إربًا لما اهتزت في أجسادنا قلوب. أزلنا عنه أيّ صفة إنسانية، فهو الذي عليه أن يدفع الأرواح ثمنًا للاستمرار، يعرف لغة الموت والعزاء، تعلّم باكرًا دفن أحبّائه تحت التراب. أينما رحل كان هو المتّهم الأول لزعزعة أيّ بلاد. يحرم من ظروف إنسانيةٍ لنضمن عدم تسلّقه إلى مرتبة الإنسان، يحرم من السكن اللائق ومن التجهيزات الصحيّة ومن فرص العمل والتعليم والحياة فقط لأنّه فلسطيني. منذ ولدنا تعلمنا أنّ الفلسطيني يبحث عن وطنٍ وهو مستعدٌّ لسرقة أي أرضٍ ليستوطن عليها. رسخت في عقولنا صورة المخيم البائس، المخيم الذي من يدخله يُفقد ومن يخرج منه كان كأنّه ولد من جديد.

في كلّ مكانٍ يبدو الفلسطيني كفزّاعة، تطلّ برأسها بين الحين والحين، أو هي واقفةٌ في وسط الحقل تتربص بالجميع. الفلسطيني لا يهمّه إلّا نفسه، غدًا سترون إذا ما تحررت أرضه سيعاملنا معاملة الكلاب. هكذا نسمع، وهكذا تبنى الصورة النمطية عن الفلسطيني الذي يستأهل كلّ ما يحدث له. نحاصره أكثر من الإسرائيلي، نرفض أن نمنحه أيّ حقوقٍ بسيطة، نحفر في ذاكرتنا أخطاءً مارسها الأجداد لنعاقب عليها الجيل الجديد. نكيلهم كلّهم بميزانٍ واحد، نضرب أماكن سكنهم، فهم أول من نخاف انشقاقه، نعلن عليهم حربًا شعواء تحيل كلّ ما تعبوا بتحقيقه إلى كومة غبار، نتهمّهم بأيّ شيء، فهم الأغراب، هم من يريدون زعزعة البلاد، لا يمكن لمواطنٍ أن يسرق أو يعتدي أو يطلق النار، الفلسطيني وحده من يفعل ذلك، عقده المتراكمة بفعل الاحتلال والقلع وأخبار الأرض البعيدة كلّها تضعه موضع اتّهام.

في أي حربٍ تقصف المخيمات الفلسطينية، في أي محاولة اغتيال تستهدف شخصيةً قيايدية يتُّهم الفلسطيني ويعاقب الفلسطينين أجمعهم على فعلته وحده، يذبحون، تقام بحقّهم مراسم التطهير، كأنّهم جرثومة، ودومًا يصل العالم متأخر، يستنفر ويندّد لكنّه لا يمنع النصل من حزّ الأعناق ولا يمنع قتل الأطفال ولا يمنع الموت أن يخيّم على حياتهم من دون أن يرحل. أعوامٌ كثيرةٌ مرّت والموت ملتصقٌ بهم، أينما حلّوا و في أي ديارٍ بعيدة يتّهمون ويقتلون. الفلسطيني يموت في كلّ مكان، وببساطة، ودون ضجّة، بخفّة  يدٍ لا تحتمل، كأنّ هنالك مخططٌ كوني لإنقاص عددهم، كأنّ هنالك رغبةٌ عالمية  لتسريع انقراضهم.

بالأمس استشهد عشرون جنديًا مصريًا بعد عمليةٍ قامت بها مجموعةٌ مسلحةٌ ربّما كان هدفها أن تهاجم بمدرعةٍ مصرية وبثياب جنودٍ مصريين موقعًا عسكريًا إسرائيليًا، اتّهم الفلسطينيون جميعًا، وأغلقت عليهم المعابر كلّها، حبسوا في أرضهم لا منفذٌ يصلهم بالعالم ولا نسمة هواءٍ جديد. اتّهموا جميعًا بعمليةٍ ربّما لا تمت لهم بصلة، توقفت حياتهم عن المسير، واكتيلت بحقّهم التّهم والكلام عن نكران الجميل. أيّ جميل قدّمناه للفلسطينيين منذ اليوم الذي اغتصبوا فيه، ماذا فعلنا لهم ونحن نتقاذفهم كهمٍّ وعبإٍ ومصيبةٍ لا تجلب لنا سوى المزيد من الأزمات  والتدهوّر.

يموت الفلسطيني كلّ يومٍ ألف مرّة، يموت معنويًا وحقيقيًا وافتراضيًا، نقتله نحن قبل الإسرائيلي، نمارس  عليه لعبتنا المفضلة من العنصرية والتمييز. نستهوي أن ننتصر عليه، نستهوي قمعه، تذكيره بمأساته، جعله المجرم والمتّهم والمسجون الوحيد،

Advertisements