اله الفوتوشوب

Posted on أغسطس 4, 2012

0


تتشابه الصور، تأتينا متلاحقةً لتروي حكايةً تُكتب بأيدٍ كثيرة، صورُ فيها طرفان، قاتلٌ وقتيل، مسلحّ وأعزل، جسمٌ ينزف عرقًا وحرًا وآخر حلّت عليه البرودة والاصفرار. لا نعرف شيئًا، نتيه في عوالم الصورة غير قادرين على التقاط قصاصة حقيقة. رجلٌ يحمل طفلًا وإلى جنبه تسير امرأةٌ منقبة، تبدو الصورة عاديةً إلى الآن لو لم نرَ خلفية المكان، نشرت الصورة بمنظران، واحدٌ يظهر دمارًا مهولًا للدلالة على قصف النظام السوري لمدنه وقراه وأخرى والتي تبين أنّها الصورة الحقيقية تُظهر طريقًا عاديًا وأناسًا عاديين بمحالٍ تجارية عادية.
ليست هذه الصورة الوحيدة التي اكتشف زيفها، فكلّ يومٍ تطالعنا الصور على الإنترنت، تتدخل في صميم قضايانا، تغير معالم الطريق، تقلب الجلّاد والضحية كما يحلو لها، لا تعرف عندها بما تؤمن، لا تعرف عماذا تدافع، يسقط كلّ شيءً أمام احترافيتها، قد يحتقن شعبٌ لأجل صورةٍ واحدة، قد تستنفر أمةٌ لصورٍ تنشر لمذابح تجري في بلادٍ بعيدة.
كلّ تحركاتنا، مشاعرنا، مواقفنا تقوم على صورةٍ لا نعرف أبدًا من التقطها وقصّها وألصق بها ما يشاء. ضاقت كلّ الأمور، حتّى المصداقية التّي كانت تميّز الصورة مسحت بها الأرض، انتفت من الوجود، وبقينا نحن المشاهدين نحاول الاصطلاء بنار الصدق، نريد أن نعرف ما يجري حقًّا، نريد أن نعرف شخصيات من يشاركون في صناعة الأحداث، هذا المسلح الذي يقتل ذاك الإنسان من يكون، لا أن يأخذ كلّ طرفٍ الصورة ويبدّل العنوان.
اللعب على الصورة لا يفيد بشيء، لا يكبر من حجم الثورة ولا هو يسرّع من انتصارها. اللعب على الصورة يبين لمن هو خارج إطارها أنّ ما يجري هناك مشكوكٌ بأمره. يفقد القاتل قدرته على إثارة الألم وينتفي أنين الموت عن الجسد الضحية. الصورة تسلب من الحقيقة روحها، تفتّر الإحساس، تثير تساؤلاتٍ لا توقف القتل بل تزيده حدّةً وإمعانًا. نحن لا نعرف من يقتل، لا نعرف من يحارب، لا نعرف الظالم من المظلوم.
الصورة خرست لم تعد تتكلم، صارت لعبةً تمامًا كساحة المعركة، دميةٌ هي بيد من يعرف كيف يستغلّها أكثر، تنفذ ما كتب لها من مخطاطات، تدخل في المعمعة والقذارة، تقبل أن تركبها يدٌ فقدت إنسانيتها كما ترغب بأن تكون الصورة التي تنتجها.
الصورة لعبة، الصورة تلعب، الصورة ملعب، ونحن واقفين بانشداه لا نعرف ماذا نصدّق لا نعرف ماذا نكذّب، لا نعرف إن كان يجب أن نغضب، واقفين دون حراك، ساكنين سكون الصورة التي لم تعد تنطق بعد الآن، الصورة تظن نفسها أنّها تخدمنا وإذ بها تحوّلت إلى أسيرة حربٍ تتنازعها أيادي القوم كلّ وفق مخطاطاته ومصالحه.

Advertisements
Posted in: إعلامنا