قل لي بأنّك إسرائيلي

Posted on أغسطس 1, 2012

0


في كلّ مرّةٍ أحاول فيها أن أتكلّم يعلق صوتي في حنجرتي ويرفض الخروج. ظننت أنّ في الأمر مزحةً سمجةً أو كلامًا ثقيلًا يرغب الكثيرون في لوكه لادّعاء الفرادة والتميّز. أنا لم أعرف أنّ التزام ما اتفقنا عليه في زمنٍ مضى سيغدو رجعيةً ومحاولةٍ جديّةٍ لإبقائنا في الوراء، لم أعرف أنّ الجرأة أو دعني أقول الوقاحة ستهبط عليك وتحوّلك إلى بوقٍ لا يصمت للدعوة لمد الأيدي والسلام. تعرف تمامًا أنّني أخاف الحرب، وتعرف عنّي أنّه إذا ما حلّقت طائرةٌ حربيةٌ في سمائي حملت أعصابي على يدي وجلست أراقب الخوف. أنا أيضًا أعرف ذلك عن نفسي، لست شجاعةً ولا بطلة، وفي دمي لا تجري جينات المقاومة، لكنّني أرفض قطعًا أن تكون تحولاتي الفيزيولوجية تلك مربضًا لقدمك التي تعدّها للصعود إلى عالمٍ لأوهام سترضيك أولًا لتنقضّ عليك بعدها وتفتك بروحك بعد أن تسيطر عليك.
كلامك عن السلام لا يعجبني، كأنّك ولدت على كوكبٍ آخر وهبطت الآن على أرضنا لتمنحنا الحل السحري، نحن نعرف كلّ ما تبشرنا به، نعلم أنّ على الصراع أن ينتهي، وأنّ الأيادي التّي بدأت تزدحم تحت الطاولة ترغب في أن تقشع عنها ضباب غموضٍ يلفها وتنكشف للعلن. نعلم كلّ ذلك، لكنّنا لا نستطيع، لا يمكن أن نتخيل أنفسنا وقد وصلنا إلى هذا الدرك من الحقارة مع انتهاء الإنسانية وبداية عصر تقرير المصير، وكأنّ كلّ ما مضى كان ومضة كابوسٍ مرّ مخلفًا ورائه الكثير من الدماء والشهداء والثكالى والأيتام. كل ما أقوله بالنسبة إليك تراه مجرد هراء، فأنت لم تذق طعم الحرب ولا لوعة الفقدان، لا تعرف معنى أن تعيش متأرجحًا على حافةٍ معلقًا بخيطٍ رقيقٍ يرميك كلّ بضع سنوات إلى الهاوية، وتبدأ في كل مرّةٍ من جديد بإعادة البناء.
وتقول إذا ما حل السلام ستتوقف الحرب، إذا مارفعنا كلنا رايةً بيضاء ورمينا السلاح بعيدًا عن الساح لن يقتلنا أحدٌ بعد الآن، ربّما، لكنّك غصبًا عنك ستقبل أن تعيش بشروط الذل التي يضعها لك هو، ستقبل أن تعيش تحت جناحه، وفي عينيك نظرة انكسارٍ تتسع لتشمل كلّ أهلك، ستكون هناك على الأرض تعيش كما أي الكائنات، تأكل وتشرب وتنام، وتضمحّل لوحدك خلف ستائر النسيان، ستنسى أنّك كنت سيد الأرض في زمنٍ قديم وهم من أتى بالغدر للانقضاض عليها، ستنسى المفاتيح وذكريات العودة والنضال، ستنسى الحروب والفداء وتحاول أن تبقى متلطيًا خلف جدارٍ من الخوف، الخوف من فقدان الأمن، الخوف من التهجير، الخوف من نظرات عيونٍ تذبحك لأنّك إنسانٌ ينتمي لأرضٍ يُراد لها مصير النسيان.
أنا لا أريد أن أصدّقك، لا أريد أن أسمع لكلامك الأبله ودونكيشوتاتك العصرية، كلّ ما تتفوه به ضجّةٌ فارغة، صنوجٌ ترن لتزيد من هلعنا وتقرّب فكرة الخيانة والعمالة إلى عقولنا، وحدك من يفرح بالكلام الذي يقوله، وحدك من يعتبر انشقاقه ضربة ذكاء ونوعًا من التحضّر والتقدمية، لكنّني لا أراه كذلك، أنت تصغر بعيني كلما التقطت أذناي ذبذبات أوتارك الصوتية، تشعرني بالغثيان كلما قرأت شيئًا كتبته يبشّر بالعهد الجديد مع بلاد صهيون. أعرف أن كل حرف تكتبه يصرف عملةً خضراء، أعرف أنّ كلامك ليس هدفه أن يحدث التأثير بقدر ما هو مخطّطٌ له أن يثير بلبلةً في عقولٍ تتوق للتغيير والحلول. فقاعة هواءٍ أنت لا أكثر، تتلاشى يوم يقررون الاستغناء عنك، يوم يشعرون أنّك بدأت تصيبهم هم أنفسهم بالملل.
أنا لا أريد أن أصدّقك، وسأبقى متمترسةً خلف خطوطي الحمراء التّي لن تتبدّل، لن أسمع لنقاشك، ولن أتعنّى مهمة الرد عليك، من الأفضل أن نتركك ولسانك طليقين، من الأفضل أن ننتظر شحنك إلى أن ينفد. قد يصدّقك الكثيرون، قد يرون في كلامك طرحًا جميلًا تشرّعه حرية في الرأي والتعبير، قد تكون بطلًا صنديدًا بنظر البعض لكنك بنظري مجرد دميةٍ بلهاء. بنظري أنا وبنظر كلّ اللامرئيين في هذا العالم، أولئك الذين يدفعون الأثمان فقط في لعبةٍ لم يختاروها حتّى. نحن جميعًا لا نصدّقك، ولن تنفع رسائلك البغيضة ولا كلامك النتن ولا حديثك المزيّن بالسلام والعيش الطويل في تغيير رأينا. نريد من الرب أن يقرع أجراس القيامة، نريد للصراع أن ينتهي لكن ليس نهايةً هوليووديةً أميركيةً لا يموت فيها البطل، ونريد منك شيئًا واحدًا بسيطًا وصغيرًا، لو تزيل قناع التحضّر الذي ترتديه وتكشف عن وجهك المتعامل القبيح، نريد منك أن تصرخ بأنّك منهم، جنديٌ صغير في لوائهم، دميةٌ من دمًى كثيرة يلعبون بها، فقط نريد منك هذا، لا تتشدّق بعد الآن بكلامٍ ملّت آذاننا من كثرة ما ردّدته على مسامعنا، إن كنت ملكًا أو أميرًا أو رئيسًا أو ضابطًا أو كاتبًا أو مفكرًا أو صحافيًا أو مغنيًا أو راقصًا أو متصهينًا أو مجرد عاملٍ بسيط ومن دون أيّ تعقيد وتشبيك قل لنا مباشرةً وقبل أن تنطق بأي قول أو تقوم بأيّ فعل، كن واضحًا وشفّافًا وقل لنا شيئًا واحدًا، قل لنا أنّك إسرائيلي، ولا نريد أن نسمع بعدها منك أكثر من ذلك.

Advertisements