المهم أن لا تقع الحرب

Posted on يوليو 13, 2012

0


(1)

الأطفال على أرضي لا يحلمون، لا يقطفون نجمةً ولا يحاولون إمساك القمر، الأطفال على أرضي مذ يولدوا يجلسون في أحضان أمهاتهم مترقبين علّ طائرة استطلاعٍ خرقت سماء حياتهم على عجل، يراقبون صواريخ ترى في أجسادهم مجرد أهدافٍ زكيّة، وإذا ما أحسّوا باقتراب آجالهم أطلقوا صرخةً واحدة تعيدهم إلى رحمٍ أبقى أبوابه مشرّعة. لا يضحكون، لا تفتر شفاههم عن بسمةٍ ولو صغيرة، ركّبوا أجنحتهم الخفيفة وطاروا إلى سماءٍ تعرفهم ويعرفونها من كثرة ما راقبوها. الأطفال هنا لا يحلمون، يتلمسون واقعهم من اللحظة التّي تفتكّ فيها أجفانهم عن بعضها ويبصرون حولهم صورًا معلقةً على حائطٍ تشقّق من صدى غارة، سوادًا يجلّل الأجساد، شواهد قبورٍ ووصيةً لأبٍ كتبها قبل أن يرتدي جعبته ويرحل غير عالمٍ هل يعود جسدًا بروحٍ أو فارغًا منها ليس يدري. يرفضون التفكير بشمسٍ وبيتٍ وعائلة وألعاب، ترى في رسومهم دومًا صاروخًا دمّر المنزل الجميل وأحاله إلى حفنة غبار، قد ترى أشلاءً ويدًا صغيرةً وحدها تبعثر التراب، الأطفال هنا كبروا قبل أن يولدوا، أو هم ولدوا كبار، يحملون رشّاشًا قبل أن يتعلموا رفع الأقدام، يعرفون عدوًا واحدًا رابضًا أسفل الدار، قبلوا حياتهم باطمئنان، لم يجزعوا من موتٍ أو انتقام، وحدهم آمنوا أنّ الأرض لهم وأنّ الحياة لهم، وأنّ الموت لهم وأنّهم سيحلقون يومًا عصافير في الجنان.

(2)

الشاب في البلاد مخفي، لا يظهر للعيان، قد ترى فيه ضعفًا، قد لا تصدّق أنّه من هزم أسطورة الكيان. الشاب في البلاد آمن، وفعل، وانتصر. صدّ أذنيه عن كلامٍ لا ينفع إذا ما الطائرة لعلعلت في سماه. هو لا يرى لمسؤولٍ يتفنّن صنع الكلام، يظلّ يسافر ويسافر وأرضه تشتعل نار وإذا ما هدأت الحرب دخل إليها دخول الفاتحين المظفرين بنصرٍ من دون غبار. الشاب يعرف من يحارب، لا ينتظر إذنًا من أحدٍ ليمتشق بندقيته ويرحل مع مغيب الشمس إلى ما خلف الأفق. الشاب هنالك واقف، والوطن كلّه خلفه. ينظر بعين الله إلى وطنٍ محتل يحلم لو تطأ قدماه ترابه، وظهره لنا. الشاب واقف، يحرس، يقاتل، يمني نفسه بشهادةٍ قادمة، هو ليس انتحاريًا ولا طائشًا ولا مصّاص دماء، ترك خلفه عائلةً وأهلًا وعملًا وقرّر أن يحرس البلاد. له طفل رضيع لم يبلغ الشهر بعد، له زوجةٌ تعرف أنّ دم زوجها ماء الأرض الذي يروي عطشها الأزلي لتفتكّ من الذلّ والهوان، له أمٌّ وأبٌّ ربّوه بعرق الجباه ورائحة التراب. الشاب ليس وحيدًا، لم يفكّر يومًا أنّ أحدًا قد يتّهمه بالظلامية والسواد وهو من يضيأ بروحه عتمة الأوطان، وهو الشعلة الوهّاجة التي رفعت رأسًا تمرّغ بوحل الاستعمار والاحتلال. الشاب الذي دفن رفاقه واحدًا واحدًا لا يريد منّا شيئًا، لا يريد مالًا ولا طعامًا، حقّه فقط أن لا نطعنه بظهره، حقّه أن نحافظ على الأرض المباركة بالأجساد، حقّه أن لا ننسى وجهة عدوّنا ونضيّع بوصلة الأحداث، حقّه أن نحاسب من تآمر عليه من خلف ظهره ونحن من أطلقنا سراحه وصمتنا عن عمالةٍ وخيانةٍ وقلّدناها وسام الوطنية والأشراف. هو سيظلّ هناك، لن يدير ظهره لعدوّه ليتأكد أنّ أهل بلاده لن يخذلوه، هو لن يتخلّى عن السلاح، ولن يترك الساح، هو الآن هناك يحرس الشمس والسماء وحبيبات تراب البلاد.

(3)

أقدر أن أتحمّل أيّ شيء، لكن لم يعد بإمكاني تحمّل الحرب، ترزح على صدري كعبإٍ ثقيل. أحاول أن أمحو ذاكرتها، وكلّ ما يدور في عقلي هو مجرد ظلٌ لأحداثها. الحرب قاسية، تشعرك بضآلتك أمام كامل هيبتها، تتمدد دون توقفٌ على حياتك، تفرض نفسها دون اختيارك، تتساءل فقط كم حربًا سيحتوي عمرك بعد، تحاول أن تهرب منها لكنّ صوتها ما ينفكّ يعصف في نبض قلبك. في الحرب تتعرّى أمام الحياة، ترى خوفك وقد تجسّد أمامك، تفكّر بالاستمرار أكثر من الموت، في الحرب تعرف وأنت عالقٌ بين براثنها أنّ لا أحد يشعر بك، قد تعيش معهم على ذات الأرض لكنّهم يظنّون أنّ ما يجري لك صدى أحداثٍ على كوكبٍ بعيدٍ لكائناتٍ فضائية لا يعرفونها. في الحرب تعرف أنّك وحيدٌ دون سواك، لا أحد يسأل إن متّ أو عشت مادام هو آمنٌ مرتاح. في الحرب تكره أكثر مّما تحب، تنقم على العالم الذي أعمى عيناه وأصمّ أذناه وأبقى على الشجب والاستنكار.

في الحرب تعلم أنّ العالم كلّه ضدّك، لا تفرق معه إن غاب جسدٌ عن ظهر الأرض أو دفن في باطنها تحت التراب. في الحرب تدرك أنّك لا شيء، لكنّك تعود وتبتسم عندما تتذكر أنّ هذا اللاشيء يصمد ويحارب ويقاوم كيانًا يقف القريب والبعيد يحمي ظهره وأنت غريبٌ في العراء. تبتسم عندما تعرف أنّ هذا اللاشيء حقّق انتصارًا منذ ست سنوات وإلى الآن يحاولون طمسه لكنّه أبدًا يكبر ويكبر ليصبح بحجم العالم كلّه ويشرق هو بدلًا من شمسهم عليهم وينير غصبًا عنهم تاريخًا وماضيًا ومستقبل أوطان.

Advertisements