المخطوفون الأحدى عشر

Posted on يوليو 7, 2012

0


المخطوفون الأحدى عشر تحوّلوا إلى قافلةٍ هائمةٍ في صحراء هذه البلاد، لم يعد أحدٌ يذكرهم كأنّهم صاروا مجرد سراب. التهمهم العالم كما كلّ الضحايا الأبرياء، لا تُجلب سيرتهم، فهم لم يُخلقوا ولم  يولدوا ولم يسكنوا الأرض حتّى. المخطوفون اللبنانيون على يد الجيش السوري الحر ابتلعوا، مضغتهم أحداثٌ متسارعة، محض خيالٍ هم أم فبركةٌ إعلامية، نسيهم الناس والدول والأفراد.

 المخطوفون الأحدى عشر غيّبهم الإعلام المأجور الذي يتقن اللعب على قضايا الناس، يفاقم ما يشاء ويطمر بالتراب أشياء لا يرغب للأفراد العاديين بأن يعرفوها، يدوس على جثثٍ وأشلاء ما دامت لا تخدم سياسته ونهجه وداعميه. المخطوفون الأحدى عشر غيبتهم ذاكرة الشعب القصيرة التّي تتقن النسيان، مادام الأمر لا يمس دائرتهم الشخصية، ما دام المخطوفون ليسوا من عائلاتهم ولا أقاربهم ولا يمتون لهم بصلة.

أبشع شيءٍ في هذا العالم عندما يجرّد الإنسان من إنسانيته ويتحوّل إلى كبش فداء مرّ من هنا، يُشكّك في حقيقة وجوده، تتساءل إن كان يتنفس كما نتنفس ويأكل ويمشي في الأسواق. أبشع شيءٍ في العالم أن يصبح الناس العاديون الحطب والوقود والنار لشيءٍ لم يطلبوه ولم يطالبوا به ولا سألوا عنه أصلًا.

كلّما قرأت أو سمعت قصصًا عن الحرب الأهلية اللبنانية تنتابني قشعريرةٌ وأحاسيسٌ من النقمة شديدة، كيف يمكن لبشرٍ عاشوا تجربةً من القتل والخطف  وفقدان الأمن أن يكرّروا مسلسلًا مأساويًا وموجعًا لهذه الدرجة. كيف يمكن لبيوتٍ علّقت على جدرانها صورٌ لأناسٍ خرجوا ولم يعودوا أن تستنفر وتعلن تجدّد الاشتباكات.

قبل يومين قرأت عن نايفة النجار الأم الوحيدة لولدٍ وحيد ابتلعته الحرب الأهلية في رحلة قدومه إلى بيروت من قريته الجنوبية القماطية. الأم لم تحتمل فكرة اختفاء ابنها ذو الأربعة عشر عامًا، أرسلت الرسائل التي تناشد الكشف عن مصيره، دقّت أبواب الأحزاب وميليشياتها الظلامية، لكنّها لم تحصل على أي جواب. فقررت أن تكتب خاتمة حياتها بيدها بعد أن تدخّلت بها الأيادي المجرمة، فانتحرت وهي بانتظار ولدٍ حاولت أن لا تيأس من إمكانية عودته.

نايفة انتحرت، وعلي لم يعد  إلى الآن، ولا عاد  أي من مئات المخطوفين المختفين خلف أحداث حربٍ أهلية لم تقفل أوراقها بعد. المخطوفون لم يعودوا والخاطفون مازالوا أحرار طلقاء، لم يحاسبهم أحد ولم  تسألهم دولةٌ عن فتح سجلات حكمت مصير آلاف من العائلات بالحزن والأسى الدائم.

الصمت على أشياء لا يمكن السكوت عنها هو ما يسهّل للمجرم أن يكبر ويتمدد ويكرّر فعلته دون خوفٍ من عقاب.

الخطف لم ينته بعد في هذا العالم، وإن كان عنوان الجهة الخاطفة قد تغيّر فإنّ الفعل يبقى واحد. حرمانٌ قسريٌ لقلوبٍ لا تعرف إلّا الحنان من أبٍ أو زوجٍ أو أخٍ أو ولدٍ كان إلى زمنٍ ليس ببعيد جالسًا في حضن أمه يستشعر الأمان، لم نسأم من الخطف بعد  كسلاح يذوي القلوب، المخطوفون اللبنانيون مازالوا في سوريا، وآلافٌ منهم سابقين لم يكشف مصيرهم بعد. آخر مرّةً ظهروا فيها للعيان كانت منذ أسابيع، وبعد ذلك ذابت سيرتهم عن الألسن، لا إعلام يتحدّث بهم، لا صحف ولا كلام.

أصعب ما في الخطف أنّه يبقك معلّقًا بأملٍ سوداويٍ قد يطول، أصعب ما في الخطف أنّه يبكيك للحظةٍ وبلحظةٍ أخرى تجد على وجهك ابتسامةٍ تستقبل مخطوفًا عائدًا بعد طول غياب. لا تعرف هل تضحك، أم تكفكف دمعًا لا ينفكّ ينطلق من محجريك، لا تعرف هل تلبس السواد أم تتظلّل بالألوان. أصعب ما في الخطف أنّه يبقيك على انتظارٍ لا تعرف إن كان ذا جدوى أم بغير طعمٍ كذاك الذي تحوّلت إليه حياتك. أصعب ما في الخطف أنّ لا حزن بعده ولا فرح كجثّةٌ لفّت بكفنٍ ولم تنزل إلى لحدها بعد.

كي لا ننسى المخطوفين اللبنانين الأحدى عشر في سوريا … وكلّ المخطوفين في لبنان.

Advertisements