لو يشبع الموت

Posted on يوليو 4, 2012

0


لو يشبع الموت قليلًا فيمتنع عن لوك الأجساد المتبقية على هذه الأرض. الموت لا يعرف كيف يسحب أرواح المتسلّطين والفراعنة والمتجبرّين في العالم، لكنّه يعرف تمامًا كيف يقطف روحًا بريئةً تحاول أن تبقى في زاويته من دون أن تنطلق إلى مركزه. الموت لا يشبع، ولا يسمن، كلّ الأرواح التي فصلها عن أجسادها لم تبَن عليه، لم تجعله أكثر رحمةً أو رأفة. بات يفضّل أن يأخذها بالجملة، يسلّطه على عائلةٍ بيد مسلّح، يذبح الأب والأم والأطفال،يضع سيارةً مفخخةً على قارعة طريقٍ يعجّ بالناس، يملأ السماء بطائراتٍ عدوّة ترمي أسلحةً زكيةً باصطياد البشر. الموت لم يشبع بعد، يحقن النفوس برائحته حتّى تشتاق إليه، فتسارع تلك إلى افتعال كلّ ما يبقيها بعيدةً عن السلام.

كأنّ الموت لا يعرف إلّا مناطقنا، حفظ شوارعها عن ظهر قلب، تعجبه ناسها فيختار منهم من يشاء ليأخذه، يعرف كلّ فردٍ يتجوّل في أزّقتها، ينظر إلينا، هذا لم يحن وقته بعد، هذا موعده اللية، هذا يموت برصاصّة طائشة، وذلك بتبادلٍ لإطلاق النار بين أفرقاء يتصالحون بعدها على بركة من دمه سالت على الأرض وأزكمت أنوفهم،يشير الموت يإصبعه هكذا، ويمضي بخفّة كائنٍ لا تُحتمل.

الموت لا يعرف كيف يأخذ روح شخصٍ أهلكت من حوله، لا يعرف كيف يميت رئيسًا متجبرًا باكرًا، لا يعرف كيف يزيل ملكًا ومُلكًا عن عرشه فيريح رعيته من ظلمه الطاغي وعنجهيته العمياء. الموت لا يعرف كيف يقتل مسلّحًا قبل أن ينفّذ جريمته بالأبرياء، لا يعرف كيف يفجّر انتحاريًا بنفسه وحدها دون أن ترتبط به سلالةٌ من الأرواح. يقف عاجزًا أمام كلّ هؤلاء. يتراخى أمام الأزعر والبلطجي والسفّاح، يطيل له الحبل أكثر من اللازم فيخنق به ما استطاع ممن يحيطونه دون عناء، لكن الموت ولسخافة الأقدار يستقوي على غيرهم، ينفخ ذراعيه ليأخذ روح طفلٍ ينام هانئًا في حضن أمّه، يسحب روحًا تفيض بالحياة، يجلد الأمل بسوطه، يذبح أحلامًا، ينهي المسلسل الطويل بثانيةٍ يباد معها كلّ جميلٍ على الأرض فلا يبقى إلّا كوكبًا مليئًا بالأشقياء.

 لم يعد في العالم ما يغري على الاستمرار، حتّى الأمل الذي نحاول إبقاء شعلته متوهجةً تطفأه أعاصير من الأحداث لا تعصف إلّا هنا. الموت يلفنا من كلّ جانب، ينتظرنا بحرب، برصاصة ، بانفجار، بسيارة مفخخة، بسكين حاد، بحادثٍ يقع على غفلة. حسابات الدول لا تصفّى في بلادها بل تختار لها ساحةً خارجية مليئة بألوان من الصراعات يناسبها أن تلعب على وترها.الدول تعامل بعضها كأفراد، ومن يسكن عليها من أفراد ليسوا ضمن الحسبان، يدفعون ثمن الحرب وثمن السلم بعد حربٍ لم يختاروها ولم يعرفوا كيف أشعلوا شرارتها. الدول لا تنظر إلى الشعوب لا يهمّها موتٌ ينتشر في سوريا، أو مجزرةٌ في فلسطين، أو اضطهادٌ في تونس أو قمعٌ في عمان أو تشبيحٌ في اليمن.لا يهمّها شيءٌ ينتمي للإنسان الساكن على في قلب البقع المشتعلة سواء أكان صغيرًا أم كبير، الدول لا تنظر إلى الشعب الذي أمطرته سمائه سلاحًا وقنابل ورشّاشات فراح يستعملها على أرضه ليقتل كلّ من يشاء. الدول لا يعنيها إن توقفت الحرب أو كانت تنحو منحًا طائفي أو مذهبي، الدول لا يهمّها كلّ ذلك تسلّح، وتصنّع الموت، وتملأ البلاد شارات سواد.

والدول لا تعرف أن تتوقف، لا تعرف الخطّ الرفيع الفاصل بين الملاك والشيطان، لا تعرف أن الحرب تدمّر البشر والحجر والبلاد. والدول لا تعرف أنّ الموت يسلّط عليها تمامًا كما تسلّطه على البشر هناك. والدول لا تعرف أنّ الجحيم الذي تفتح ناره على شعوبها سيحرقها بلهيبه وينزع منها الأحشاء.

لو يشبع الموت من الأجساد، لو تشبع الدول من نفث النار.

Advertisements
Posted in: عشوائيات