المجهول في البلاد

Posted on يوليو 1, 2012

0


أشكّ في قدرتنا على حكم أنفسنا، طوال قرونٍ لم نكن سوى حجارة شطرنجٍ تحركها أيدٍ مختلفة، انتقلنا من محتلٍ إلى مستعمرٍ إلى محتل بسلاسة، وإذا كان هنالك من زمنٍ حكمنا فيه أنفسنا كانت حياتنا مجرد انقلاباتٍ وصراعاتٍ واضطهادٍ وحروبٍ أهلية. هل يمكن أن نحكم أنفسنا، أن نتوكّل أمور الدولة فتصبح السلطة بيد الشعب ومن الشعب وللشعب من دون أن تخضع لفرعونٍ اختلفت ماهيتّه مع الوقت لكنّ حضوره ظلّ ثابتًا في حياتنا.

طوال عقودٍ ونحن نستهوي صناعة الأصنام، لا مدنيٌّ ولا طائفيٌّ مستثنى من كلّ هذا، يكبر في عقولنا ظلّ شخصٍ نرى فيه خلاصنا الوحيد من عاهات الزمان، وإذا ما رحل اعتلى آخر مكانه ليحتلّ كرسي الألوهية. ربّما ليس لدينا الوعي الشعبوي الكافي لحكم أنفسنا، ربّما كان الشعب العربي شعبًا يستحقّ أن يساق، ربّما عليه أن يبقى مداسًا بقدمٍ تفوقه حجمًا ذلك أنّ تحركه جاء فوضويًا وغير مثمرٍ ولم يتوّلد عنه إلّا مزيدٌ من الجهل والتخلّف والرجعية في كافة البلاد. الناس أصبحوا أكثر ضيقًا وأشدّ رغبةً للتفلّت من زمام القانون، الغابة المشرّعة على مصرعيها شملت جميع الأراضي العربية دون استثناء. نهبٌ وسرقةٌ وفسادٌ وخيانةٌ وبلطجيةٌ ومحسوبيةٌ واستقواء. الشعب يخاف من الحكومة أكثر من الخوف من عدوّه، والحكومة تخيف الشعب أكثر بكثير من خروجها في معركةٍ مع الأعداء.

الأمن المفقود أصبح سمة الحياة اليوم. شعورٌ دائمٌ بالخوف والقلق والرهبة. صناعة الموت صارت الحرفة الأكثر رواجًا اليوم. لم يعد يفرق إن كان الموت يقطف أطفالًا أو شبابًا أو أشخاصًا أبرياء. لم يعد يفرق إن كان الموت يأتينا بالجملة أو طلقةً طائشةً تصيب جسدًا أو رأس. نعيش على شفا جرفٍ هار، ننتظر فقط أن يكون زماننا هو آخر الزمان ليدقّ الرب ناقوس القيامة وينتهي العالم الذي لم يعد يطيق البشر الذين يسكنون أرضه.

المجهول الذي يعيث على تراب البلاد، يتنقل بين مناطقه، ساعةً يحرق محلًا وساعةً يقتل إنسانًا وأخرى يترك متفجرًا ويلوذ بالفرار. المجهول هو البطل اليوم، يتجوّل في ظلمة ليلٍ ليصنع أحداث النهار . حياتنا صارت كلّها رهن يديه، ينسج خيوطها ببنات أفكار من عقله أو بناءًا على وحي خارجي. مجهولٌ يقطع الطريق، مجهولٌ يخرّب الحياة، مجهولٌ يطلق النار ويقتل شعبًا ووطنًا ويغرق البلد في الجحيم.

حياتنا تختصر بكلمة تضامن، سلسلةٌ طويلة من العمل التضامني الذي لا ينتج عنه سوى مزيدٌ من الكلام. متضامنون مع الفلسطينيين في قضيةٍ أمميةٍ لا تخصّ أحدًا سوانا، متضامنون مع أسرى اهترئت أمعائهم في السجون أو هي تيبست من بعد انقطاعٍ لأشهرٍ عن الطعام، متضامنون مع معتقلٍ لا يدافع إلّا عن حقوق الإنسان، متضامنون مع من كانت تهمته كلمةً أخافت صاحب سلطةٍ في عرينه، متضامنون مع شعبٍ يداس، متضامنون مع ناسٍ تحزّ أعناقهم نتيجةً لتناحر الأطراف، متضامنون مع الهباء والفراغ واللامنطق والخدر والشعور بالاضطهاد.

Advertisements
Posted in: عشوائيات