إلى صديقتي عائشة

Posted on يونيو 30, 2012

0


أتذكرين ذلك اليوم الذي التقيتك فيه في قاعة الانتظار في المطار، ونحن في طريقنا قادمين إلى بيروت. تفاجئت يومها بسؤالك، لم أتوّقع أنّ أحدًا على الكوكب كلّه سيطرحه علي، ربّما كانت وقاحةً منك، لست أدري. أنت شيعية أو سنيّة، وقتها أجبتك بأنّني مسلمة، نحن الشيعة عندنا ميلٌ دائمٌ نحو التقية، ربّما نخاف من نظرةٍ عدائية سيطلقها الآخر من موقعه كأقوى طائفةٍ على الصعيد العربي اتّجاهنا. أجبتك بأنّني مسلمة وأنت ظللت على إصرارك العنيد بأن تعرفي إلى أيّ فريقٍ أنتمي، حاولت أن أتهرب منك وأن أقول بأنّني سأصل إلى بيروت ولم تعرفي عندها أنّ ما أقصد به بيروت هو ضاحيةٌ تقع في جنوبها. أحسست بالضيق، كيف يمكن أن نصغر نحن البشر إلى هذه الدرجة، لا أهمية لإنسانيتنا ولا لأفكارنا، مجرد معرفة إلى أي طائفةٍ ننتمي يحدّد كلّ ما يأتي لاحقّا في السياق.

تكرهينني يا عائشة، وماذا رأيت منّي لتحقني نفسك بكلّ هذا البغض والانتقام، لم تنته القصّة بعد بيني وبينك رغم مرور أكثر من ألف عام، كأنّ كلّ شيءٍ يعود إلى ذاك الزمان، نرجع للخلف في زمنٍ يتسارع بغيرنا دونًا عنّا. ونحن نبقى في خلافتنا القديمة، نؤلّف القصّص عن الآخرين، عن صحفٍ يقرؤونها محل القرآن، عن لعناتٍ يكيلونها، عن أفعالٍ ليست سوى تخيلاتٍ لعقولٍ بشرية شريرةٍ ترغب في رؤية الدماء. ماذا يمكن أن أقول، وأنا اليوم خائفة، أرى سيفك المسلّط وكلامك الذي يلعب بلا استحياء، ترغبين بإيقاظ المارد الذي باعتقادك قد طال سباته، ترين فينا مدًّا  وأنا أعرف تمامًا أنّ كلّ ما أرغب به هو أن أعيش بسلام، فلا أفكّر بالموت ذبحًا أو أشلاءً متطايرة.

عقلي اللعين لا يريني إلّا صورًا أمقتها، أفكّر بانتحاريٍّ وعد نفسه بغذاءٍ مع الرسول إن فجّر جسده فينا، أفكّر بسطوة لمسلحين يرون في حزّ الأعناق تطبيقًا لشريعة الإسلام، أفكر بسيارةٍ مفخخةٍ في قلب سوقٍ يعجّ بالناس، أنا أنظر إلى المستقبل فلا أرى سوى الدمار، أسمع لوقع مناطقنا ومناطقهم صدى يصنّ الآذان. لم يكن الاحتقان أكثر ممّا هو عليه الآن، خمسة آلاف قنبلة جسدية جاهزة لتنفجر في أجساد الأبرياء في العراق، كلّ يومٍ نسمع عن قتلّ في سوريا يتمّ بناءًا على خلفية مذهبية، جيشها الحر كتائبه تحمل أسماء انتشلت من التاريخ  لتصبّ جام غضبها على من يسكنون الحاضر. بشرٌ كثيرون يموتون كلّ يومٍ، زوّارٌ وأناسٌ يقلقهم موتٌ عاجلٌ  ومن دون سببٍ وجيه.

أمّي تريد أن تعرف يا عائشة، بماذا يشعر ذاك الذي يضغط زرّ التفجير في جماعة لا تحمل سلاحًا وليس في نيّتها القيام بعملٍ عدائي. هل حقًا هو شخصٌ طبيعي من يعتقد أنّ الله سيكافئه لأنّه قتل نفسًا وعند الرب في كتابه إهدار دمٍ بريءٍ كمثل قتل الناس جميعًا. ماذا أقول لها يا عائشة، هل أجيبها بأنّ الكراهية جعلت منهم يروننا مجرد أعداءٍ وشياطين حتّى أسوء من الإسرائيلي نفسه، فلنتكلم بوضوح ودون الخوف من الوقوع في درك الطائفية، لماذا تكرهوننا، وكلّ هذه الأجساد الآتية من مختلف الأصقاع العربية والجاهزة لتفجير نفسها دون أي تردد لماذا لا تغير وجهتها نحو كيانٍ غاصبٍ يهين الأمّة ويثكلها منذ أكثر من ستين عام، أجسادٌ متفجرة تتصرف بقناعةٍ تامّة ترى في ما تقوم به واجبًا مقدسًا كأنّنا نحن العدو الأول الذي ألحق بها الهزيمة ونكّل بناسها ونفّذ المجازر والمذابح.

عائشة العزيزة، أخاف على أبّي الذي يرتدي العمّة السوداء، أخاف من رصاصةٍ طائشة قد تخترق رأـسه ويذهب ضحية معركةٍ فارغة لن تكون نتيجتها سوى المزيد من الدماء. الوضع خطير يا عائشة، وما تفعلينه ليس لطيفًا ولا يفيد الإنسانية بشيء، لماذا كلّما ترينني لا تنفكين تعيدين دروسًا في التاريخ حفظتها عن ظهر قلب، لست أنا من سبّب لك أي شيء، لست أنا من جهّز وأعدّ العدّة لمحاربتك، ماذا فعلت لك لتبثّي كلّ هذا الكره في العقول اليانعة فيصبح كلّ شيعي رافضي يحقّ إهدار دمه، كيف وصلت لهذه النتيجة اللامنطقية في محاسبة البشرية وكلّ منّا حرٌ في اتّباع ما يرغبه مادام لم يرفع سيفًا من العداوة اتّجاه الآخر.

ما تفعلينه لن يعود بالفائدة على أحد، سيفتح أبوابًا من صقر على المنطقة العربية بأكملها، تتحول فيها بلادنا إلى بقعٍ متفرقةٍ من جهنم، ها أنا أقولها لك، الجميع يدّعي أنّه يعرف الحقيقة، والحقيقة هي أنّ ما  يحدث في كافة المناطق هنا ليس ثورةً ولا بحثًا عن حريةٍ ضائعة بل هو ارتدادٌ إلى الماضي، قتل على الهوية بين طرفين في صراعٍ لم يقفل من عهد الخلفاء. يموت أشخاصٌ لأنّهم شيعة، لأنّهم زوّارٌ، لأنّهم يقيمون شعائر لا تعجب البعض الآخر، يموت بعض البشر لأنّهم علويون أو اثني عشريون، يضطهدون يرمون بأبشع التهم ، تجرف أحلامهم رغباتهم بالمشاركة فقط لأنّهم شيعة.

هذه هي الحقيقة يا عائشة، لا تكذبي عليّ بعد الآن. في البحرين حيث الثورة كانت ثورة دمٍ بريء على السيف الخليفي الظالم رجمها الجميع، رأووا فيها  خيانةً عظمى  لا تستحقّ الحياة، من ناصرها أُسكت، من دافع عنها في الأروقة العربية والدولية سُخر منه، أعلامها مرميون خلف السجون لأنّهم طالبوا بما يطلبه أيّ بشريٍّ يتمتع بصفاتٍ إنسانية. رُفضت الثورة في البحرين، عُتّم عليها واطفئتها الأيدي الكثيرة التّي لا ترغب في انبثاق شعاع الحرية في الخليج العربي. أمّا في سوريا فمن يحزّ بالسكين بطل، ومن يفجّر ويقتل ويخطف الناس وفقًا لانتماءٍ مذهبي فذاك الحضارة والثورة بكمالها،  نجهّزه بالسلاح ونملأ قلبه حقدًا ونار، وفي العراق تصل الأجساد المتفجرة من خلف الحدود ببركة المجاهدين المحوّلين قبلتهم من عدوٍ صهيوني إلى آخر شيعي.

أفيقي يا عائشة، ليس قدرنا أن نبقى في صراعٍ مستمر، ليس قدرنا أن نموت بسببٍ أرخى عليه  التاريخ الغابر ظلاله.

Advertisements