الغريب في لبنان

Posted on يونيو 25, 2012

0


تخيّل لو أنّ من يعتصم أمام مفوضية اللاجئين أميركي أو أوروبي آتٍ إلينا من عالمٍ أوّل. تخيّل لو أنّ من يذوب لحم بطنه وتذوي روحه ببطئٍ في ظلّ خيمةٍ انتصبت وحيدة في الميدان بشرٌ بيضٌ بعيون زرقاء. تخيّل كلّ ذلك، هل كانت دولتنا الأبية ومعها دول العالم أجمع ستلتزم الصمت عن هذا الانتهاك الحاد لحقوق الإنسان، أم أنّها ستستنفر وتنزل بعدّتها وعديدها لاستعادة ماء وجهها المفقود.

تخيّل لو أنّ حياتك سلسلة من التعاسات، تعيش في بلدٍ منذ ما يقارب الجيلين، تأكل بين أهله وتشرب من مياهه، تعرف أزّقته أكثر من ناسه، لكنك رغم هذا تعيش خلف حزام بؤسٍ قد لا يرتضيه الحيوان، لا تنظيم مدني ولا ظروفٌ سكنيةٌ صحيّة توّفر مكانًا لائقًا لتمضي بقية حياتك فيه. سنين عمرك مجرد حوادث متكررة، تفتيشٌ أرعن، اتهاماتٌ تجعل منك مجرمًا غصبًا عنك، تدفع بجسدك ثمنًا لكلّ مفترق طريقٍ يعترض البلاد، وفي اللحظة التّي تفتح فيها فمك لتطالب بحقوقك البسيطة يأتيك صوتٌ عدوانيٌ يصبّ جام الكراهية عليك إن لم تعجبك المعيشة هنا إحزم حقائبك واجمع مفاتيحًا خبّأتها تحت وسادتك لمنزلٍ ضاع مع الزمن وارحل.

اللاجئ في هذه البلاد كالغريب، أسودًا أو أبيضًا، يتكلم العربية أم آتٍ من بلادٍ بعيدة لا أوروبية ولا أميركية هو واحد. تسلب عنه صفة الإنسانية، يتحوّل إلى شيءٍ أو متاع، ينفّذ لأوامر سيّده الذي يرى فيه حشرةً قد لا تستحقّ حتّى تنفسّ الهواء. يحرمه من أبسط حقوقه، يرى فيه منافسًا حقيقيًا يزاحمه على وظائف وأعمال، يحشره في زواريب بلاده، لا يريد له أن يسكن مكانًا لائقًا يحترم إنسانيته.

اللاجئ في لبنان ليس بشرًا ولا عاملًا، تلاحقه العيون غير البريئة لتلصق به أيّ اتّهام، يصدمه اشمئزازٌ من أهل الأرض أنفسهم، كره يستشعره كلّما دنا ليجلس على كرسي أو أرخى بظلّه على الحائط. شيءٌ ما غريب يدور كلّما حشر نفسه بين ركّاب وسيلة نقلٍ عمومية، لكنّه قدر ما يستطيع يحاول أن يتجاهل كلّ تلك الأمور، يرمي بابتسامةٍ بريئة على شارعٍ أنهكه من كثرة تجاوزاته العنصرية، كأنّ له طعمًا يختلف عن طعم البشر العاديين، كأنّه بأنفان أو يحمل على وجهه سمات المجرمين.

اللاجئ في لبنان ليس لاجئ، الكلّ يظلمه، الدولة والشعب على حدّ سواء. هو المتّهم الأول في أي عملية تخريب، هو اليد الغريبة التي تعيث في البلد المزعزع أصلًا من قبل أن تطأ قدماه أرضه، هو صاحب الوجه المشبوه بسرقةٍ أو عملية قتلٍ أو أي شيءٍ سيءٍ يحدث في الأزقة والشوارع. هو أول من يسب ويلعن، وأول من يضرب، وأول من تصيبه النظرات الحاقدة، وأول من يجرجر إلى المخفر ليحقّق معه، وهو أول كلّ عملٍ يحمل في ظاهره وباطنه الذل والمهانة الذي لا يتحمله مواطن الأرض.

ترمقه العيون بنظرةٍ عنصريةٍ تنزع عنه صفة أن يكون بشرًا كامل الحقوق والواجبات، تجرّده من عرق جبينه النازف من حرّ النهار، لا ينتظر منّا الشكر ولا العرفان، كلّ ما يريده نظرة احترامٍ بسيطةٍ تضمن مكانته كإنسان. العيون التي ترى فيه الغريب تحزّ قلبه، كيف له أن يكون غريبًا وهو من يجبل تراب الأرض بماء وجهه، كيف يمكن أن يكون غريبًا وهو الذي يلتزم الحائط ولا يختلط بالمشاكل ويعيش بعيدًا عن دنيا لا تفهمه ولا يفهم ناسها.

لا طبابةٌ ولا اعترافٌ بحقوق ولا معاملةٌ إنسانية ولا إحساسٌ بالأمان تمنحه هذه الأرض له. من السودان أو أثيوبيا أو من شرق آسيا، فلسطيني كان أم عراقيا أم لاجئ سوري شيءٌ واحدٌ يتشاركون به هو قسوة هذه البلاد عليهم، بمجتمعها وحكومتها مجتمعين. كأنهم ذبابٌ أو خيالات تعيث على الأرض، كأنّ وجودهم أمرٌ مشكوكٌ فيه، يموت الواحد منهم بلا أسباب، لا يفتح في موته تحقيق ولا يُسأل عن المجرمين، دومًا يلعب القضاء والقدر دوره اللعين، يحشرون في براداتٍ ليرحلّوا من دون حدادٍ إلى أوطانهم جثّةً هامدةً بعد أن أتوا والروح تدبّ في عروقهم.

حكاية اللاجئ والمقيم تراجيديا تطول، مأساةٌ يتشارك الكلّ في صناعتها من الرأس إلى الجسد إلى الأعضاء. من غياب القوانين التّي تضمن حقوقهم إلى نظرات الحقد التّي ترتطم بوجوههم، كلّنا يتحمّل مسؤولية تردي أوضاعهم وسوء معاملتهم وأيّ مكروهٍ يصيبهم. إن كنّا نرضى كلبنانيين منتشرين في كافة أصقاع الأرض أن يُفعل بنا ما يفعل بالناس الأبرياء من ازدراءٍ ومهانةٍ فلنستمر بطرقة تعاملنا الحيوانية تلك، وإن كنّا حقًّا نخاف من أن ينقلب الحقد والعنصرية العمياء ضدّنا ويصيبنا ما يصيب الجاليات الأجنبية في بلادنا فعلينا أن نسعى جاهدين لإحداث نوعٍ من التغيير الجذري في طريقة تعاملنا، ذلك أنّ الأجنبي يلقى على يد الشعب نفسه عذابًا يفوق ذاك الذي ترميه الدولة عليه.

الغريب هنا ليس غريبًا بين أهله، والمواطن هنا غريبٌ في بلادٍ ثانية…

Advertisements