هل يكفي اعتذار الجديد؟

Posted on يونيو 24, 2012

0


لساعةٍ ونصف أسر تلفزيون الجديد خلف قضبان الأسير. لساعةٍ ونصف امتلئت شاشته بأشد أنواع التحريض الذي يلعب على الوتر المذهبي، تهديدٌ ووعيد من الشعب السنيّ الذي لن يرتضي بعد الآن بالسكوت والخنوع، حقنٌ للنفوس المتمترسة خلف طوائفها، كلّ يرى في جماعته سربًا يحميه. ساعة ونصف تقنع من استمع إليها بأنّتا مقبلون على صدامٍ أهلي وحربٍ طائفيةٍ لا حلّ فيها إلّا بإبادةٍ الطرف الآخر.

لم يوقف الرجل أحد، لم تقطع القناة بثّها، لم يقاطعه أحد، تدفق كسيلٍ جارف بكلامٍ مسمومٍ، كأنّ البلاد ينقصها المزيد من الخراب لتنقسم إلى شعبٍ سنيٍّ وشعبٍ شيعي وآخر مسيحي، كلٌّ يرى في نفسه المستضعف على الأرض. بدل أن يتكلم عن اليد الممدودة أصرّ على الانتقام، توّعد وهدّد، كلّ من استمع إلى حديثه لم يمتلك القدرة على الاستمرار.

القناة اعتذرت من الشعب اللبناني عن كلام الأسير بعد أن بثّته مباشرةً على شاشتها وكررته وأعادته وانتشر كالنار في الهشيم. علق في أذهان الشعب ذاك الخطاب التحريضي الذي يجعل من الوطن كنتوناتٍ لطوائفٍ ترى كلّ واحدةٍ في الأخرى تهديدًا وجوديًا يستلزم البقاء خلف متاريس المعارك. لو لم يجد أحمد الأسير في الجديد منبرًا يتوّجه منه هل كان كلامه سيصل إلى كل أذن. هل كان سيحمل هذا الوقع في النفوس، هل كان البعض  سيجد فيه خطابًا يجمع شارعًا لطالما بحث عن زعيم، ويرى فيه آخرون توازن رعب  يحقّق بعض المآرب.

من أين أتى أحمد الأسير، كيف ولد وسوّق ونال هذا الكم من الشهرة. لم يمضِ على بروزه أكثر من أربعة أشهر ونراه يتكلّم بهذه النبرة الفئوية المرتفعة التّي تحاول تخريب الوضع في البلاد. من يقف وراءه ومن يدعمه، من أين جاء بكلّ هذا الحقد والكره لجماعةٍ يسكنون معه نفس الأرض. لماذا لحديثه الطائفي التقسيمي أن ينال كل هذا الاهتمام. لماذا لا ينال أصحاب الأفكار التي تجمع بدلًا من أن تفرق اهتمامًا كذاك الذي يحظى به الأسير.

لن يمحو اعتذار الجديد الكلام الذي تفوه به الرجل، فهو كان أشبه بإعلان حربٍ مذهبيةٍ من قبل المسلمين على الروافض. أعلانٌ بات يستهوي الشعب السني الذي يرى في نفسه قوةً يجب أن تحكم ولو بحد السيف، عصر فتوحاتٍ يستقوي بالربيع العربي الجديد. لا كلامٌ يوّحد القلوب، لا حديثٌ يطمئن الناس الذين يدفعون الثمن روحًا وحياة. مجرد بعبعةٍ تزكي النار التّي بدأت بالاشتعال، وغدًا ستكبر النار لتبتلع من تفوّه بها وتبلعنا معها نحن الأغبياء الذين نسمح لكلّ لسانٍ أن يلعب على أوتار نفوسنا الضعيفة. الأسير أعلن المعركة وانتهى، وجد منبرًا إعلاميًا سرّع من انطلاقته، الأجدى بالجديد كان أن تقطع بثّها وترفض إكمال المقابلة لكي لا تنفخ بالرجل الذي يحاول تحويل نفسه إلى قائدٍ أشم يخلّص شعبه من عدوٍ وهمي خلقه لهم وكبّره في عقولهم.

مسؤولية الإعلام تتجلّى بأن لا يتحوّل إلى بوقٍ آخر ينعق في آذان الناس، هذا الإصرار الغريب على إبقاءنا ملتزمين بنهج الطوائف فلا يفارق أحدٌ عرينه هو ما يجب أن يمتنع عنه. لم يكن سبقًا صحفيًا ولا عملًا مميزًا يحسد عليه تلفزيون الجديد. ربما كانت البطولة في أن توقِف الرجل عند حدّه، هذا هو الشيء الذي يتوجب على قانون الإعلام منعه وعلى قوى الأمن وشرطة الآداب أن تستنفر لأجله، هذا هو الشيء الذي يهدّد السلم الأهلي ويزعزع الأمن ويدّمر استقرار البلاد وليس الكتاب أو رسم الغرافيتي أو فيلمٌ يعرض في صالات السينما.

Advertisements