يوم انتصر بنفسج أليس على فخر دونا

Posted on يونيو 23, 2012

0


البارحة اعتلت دونا شلالا منبر أرقى الجامعات في الشرق الأوسط لتحاضر علينا بالحلم الأميركي وديموقراطيته وشرق أوسطه الجديد. المرأة الداعمة للمشروع الصهيوني قلبًا وقالبًا، والتي تزهو وتفخر بتكريماتها من قبل صروح التعليم في تل أبيب وقفت البارحة أمامنا بوقاحةٍ أو جرأةٍ لا فرق، تسطّر تعريفًا جديدًا للعلاقة التي تجمعنا بالكيان الغاصب. بجبروت المنتصر انتصبت بين أهلٍ ذاقوا مرارة الاحتلال، وطلّابٍ متخرجين عايشوا همجيةً صهيونية تفتك بأرضهم وسيادة بلادهم، خبروا سطوة اليهودي المحتل على قراهم، أصابتهم صواريخ إسرائيل الزكية، طالت إخوانًا لهم في الوطن، هجّرت وقتلت عائلاتٍ لبنانية بالجملة.

أسوء ما في الأمر أنّه في كلّ مرّة تأتي شخصيةٌ داعمةٌ ومؤيدةٌ لإسرائيل إلى بلادك وتطأ أرضك المجبولة بدماء المقاومين والشهداء عليك أن تشرح وتبرّر للآخرين رفضك التام لأيّ نشاطٍ يحتفل بها. في كلّ مرةٍ تساق التّهم ذاتها للناس المتخلّفين الذين يرفضون الانفتاح على شخصيات العالم الأول، يكالون بتهم الرجعية وإعاقة السبيل أمام أي قنواتٍ قد تفتح للحوار. ربّما علينا بعد أكثر من ستين عامًا من مسلسل الدم والتهجير أن نمنح الكيان فرصًا لتفسير اغتصابه للأرض والشعب والأمّة سواء.

في كلّ مرّةٍ يأتي فيها متصهينٌ إلى لبنان وجب علينا أن نفتح نقاشًا بزينطيًا عقيمًا، حول ثقافة المقاومة ومسلمات المقاطعة، تبريرات وحججٌ تحاول أن تقنع الجميع أنّ هذه الخطوات الصغيرة لا ضير فيها في الدفاع عن القضية. فماذا يفيد القضية الفلسطينية إن كُرّمت شخصيات أو قوطعت فرقةٌ موسيقية أو مغنيةٌ عالمية غنّت لإسرائيل في ذكرى ميلادها على أجساد العرب.

هذه الحجج تسقط تباعًا أمام الغارات الإسرائيلية المتواصلة على بقاع فلسطين، تذوي أمام سيل الدماء المتساقط إلى الآن بفضل المخطاطات الصهيونية والمشاريع الداعمة لتفتيت العالم العربي وتحويل دوله إلى كياناتٍ تشبه إلى حدّ كبير الكيان الإسرائيلي. وكأنّه لا يكفي لمؤيدٍ لمجرمٍ أن يتحوّل إلى مجرمٍ مثله، وأن يصبح شريكًا بالدم البريء الذي سقى أرضًا جنوبية وفلسطينية ومازالت الشعوب ملتاعةً من همجية سفّاحه وعدوانيته وعنصريته التّي يتغاضى العالم عنها.

لا يكفي لشخصٍ اشتغل مع الإدارة الأميركية وأيّد سياساتٍ لم تنجب إلّا الجثث والجرحى ومعوقي الحرب وبلادًا منكوبة أن تشفع شهاداته المعلقة على حائط منزله في تحويله إلى نموذجٍ يحتذى به. لا ينفع أن ننصب له تمثالًا وهو الغاطس في مستنقع من البراغماتية العمياء التّي ترى في أي وسيلةٍ سبيلًا جيدًا لتحقيق الغاية المنشودة ولو بالدوس على شعوب العالم بأسره. سياسةٌ تفتقد إلى حسّ الإنسانية الذي يجب أن يدرّس في جامعاتنا اليوم، فلا يتخرّج منها أشخاصٌ يرون في الإنسان عددًا أو وقودًا لمآرب تعود بالنفع على دول العالم الكبرى.

قبل أيامٍ قليلة رفضت كاتبةٌ أميركية مشهورة تُدعى “أليس ووكر” ترجمة كتابها الحائز على جائزة البوليتزر “اللون البنفسج” إلى اللغة اليهودية عبر “دار يديعوت” الإسرائيلية. الكاتبة التّي اعتبرت نفسها شريكةً في الصراع العنصري ورأت في آلام الفلسطينيين تجسيدًا لآلامها التّي عانتها في شبابها على يد الأبيض من اضطهادٍ وبطش. الكاتبة الأميركية شاركت في فك الحصار على قطاع غزّة ولم تسمع لادّعاءات الصهاينة الكاذبة، ناصرت بصدقٍ الإنسانية ولم تحمل في رقبتها دماء ملايين الشهداء الذين ماتوا في الإبادات الصهيونية والأميركية.

لماذا لا يتمّ تكريم تلك الكاتبة من قبل الجامعة الأميركية في بيروت، لماذا لا تخطب بالطلّاب المتخرجين بوصفها أيقونةً عالمية لمحاربة العنصرية التّي تفتك ببلادنا. لماذا لا تعدّ مثالًا يحتذى به ودرسًا يتعلّم منه الطّلاب تحويل أعماهم وإنجازاتهم إلى رسالة عالمية لا تهتم إلّا بصالح الإنسانية وحقوق الإنسان بدلًا من أن تكون محطّاتٍ مخزية بجانب المنتصر القاتل.

البارحة رأينا دميةً أخرى تحركّها العقلية الأميركية بخيوطها الظاهرة. تصلبنا أمام غطرسة الأبيض، وقفنا مكتوفي الأيدي، نرى في تفوّقه نقطةً ترفعه إلى مرتبةٍ فوقنا، لا الشهادات ولا التكريمات ولا كلماتٌ تتلفظ بها قد تشفع لها أمام هول ما ارتكبته إسرائيل  في عالمنا من مذابح ومجازر.

البارحة انتفضت شواهد القبور في قانا وغزّة وفلسطين والجنوب وأشلاء الشهداء في صبرا وشاتيلا وكلّ العالم لتنقلب إلى نيشانٍ يلطّخ صدر السيدة الأميركية الإسرائيلية، وحدها تلك الشواهد من صرخت ورفضت وأنّت بينما نحن فرحين بحديث المتصهينة للجيل الجديد.

Advertisements