عالمٌ يقتل أطفاله

Posted on يونيو 21, 2012

0


أطفالٌ يذبحون في سوريا بنصل  سكينٍ حادٍ يحزّ أعناقهم الدافئة بهدوءٍ عالمي بشعِ ومريب، أطفالٌ يدفنون تحت أنقاض غاراتٍ صهيونيةٍ استهدفت بقعةً من بقاع فلسطين، أطفالٌ يضربون حتّى الموت في لبنان، أطفالٌ تنتهك طفولتهم بيدٍ وحشيةٍ تمتد إليهم من عالم الكبارالمقرف، أطفالٌ يموتون في اليمن بتمزّق أحشائهم الصغيرة نتيجةً لزواجٍ عائليٍ مدبّر جمع رجلّا إلى قاصرٍ رأى فيها أهلها ثمنًا جيدًا لما بذلوه من عناءٍ وجهدٍ لتصل إلى ما هي عليه.

لم يعد في عالمنا العربي من مكانٍ للأطفال، أكباش محارق أو جنودٌ صغار يدفعون ثمن مخططاتٍ لا تمتّ لهم بصلةٍ ولا تعود بأيّ فائدةٍ عليهم. تُسلب طفولتهم، تُسّوى بالأرض من دون نظرة أسى تعتلي الوجوه المحملقة. الصغار هنا كبروا باكرًا، ولدوا شيوخًا من رحم أمهاتهم، يأسوا من الحياة من كثرة ما كشفت لهم عن وجهها القبيح، لفظتهم أحلامهم قبل أن يتلمسوها كحقيقةٍ وتركتهم على كوكبٍ مظلمٍ لا مكان لهم فيه، يأتون إلى هذه الدنيا كزيادة عدد، يقضون ما عليهم من سنين قليلة، ليتحوّلوا بعدها إلى جثثٍ جاهزةٍ لتكون ثمن أيّ شيءٍ رديء،  ليسوا نعمةً ولا رحمة، مقابلٌ ماديٌ ندفعه لبقاء أرواحنا البشعة طليقةً على سطحٍ يلفظ حقدًا وكرهًا وموتًا مجللًا بثوبٍ من التقديس.

المستقبل الذي نبنبه لا وجود له، من ملحٍ هو أم مجرد سراب. لا مستقبل لشعوبٍ لا تعرف كيف تحمي أطفالها. مجتمعاتها سيفٌ مسلّطٌ يحرم الصغير من حضن أمّه كي يبقى الرئيس دافئًا في كرسيّه. مجتمعاتها سوطٌ جاهزٌ لجلد ما تبقّى من أملٍ بغدٍ أفضل، عروسٌ أشبه بلعبةٍ تمزّقها رجولةٌ حمقاء تبرز قوتها على مساحةٍ صغيرةٍ هي بحجم سرير وتضمحلّ أمام الغريب لتغدو خرقةٌ بالية يُداس عليها بالأٌقدام.مجتمعاتها لم تعد ترحم، تحوّل الحياة إلى معارك متواصلةٍ من الخوف والقلق. الطفل فيها يتحوّل إلى حامل سلاح، يشارك بالقتل، يرى تلاشي الأجساد باكرًا، يتعلّم إزهاق الأرواح بدل أن يرسم شمسًا مشرقةً في كبد سماءٍ زرقاء، تتلبد غيوم الدماء في حياته، يصبح الموت لديه عادة، نتيجةٌ حتمية لقدومه إلى الحياة. يحقن الكبار الأغبياء الصغار الأبرياء روحهم بما لديهم من ملوثات، يخلقون لهم عدوًا لا يعرفونه فيتحوّلون بين ليلةٍ وضحاها إلى وحوشٍ لا تشبع من لوك ضحاياها.

الطفولة مسلوبة، يبكي الطفل على هذه الأرض لتأتيه يدٌ قريبةٌ تهشّم جمجمته وتكسّر عظامه وتطفئ روحه. يبكي الطفل على بلادٍ لا يستحقّ هو عذاب الانتماء إليها، يعرف أنّها لعنة أن يخلق هنا. بين بشرٍ لا يستطيعون أن يحدّدوا إن كانوا مجرد أجسادٍ من دون روحٍ أو قبورٌ متجوّلةٌ  على ظهر الأرض. لا يعرفون للضحك، لا يعرفون لعالمٍ ما فيه قتلٌ ولا رصاصٌ ولا سيارةٌ مفخخةٌ تجمع الأرواح بالجملة، ببساطة هم لا يفكرون بغدٍ لأطفالهم مادام لا يضمّهم.

لم يعد الأمر مجرد حكايا نسمعها وتأتينا من بلادٍ بعيدة، لم يعد الأمر مجرد خيالٍ ناشطٍ لجدّةٍ تروي القصص لأحفادها المجتمعين. أطفالنا الساكنون الأرض مسخوا، حبّ الحياة عندهم اختفى من قاموس مشاعرهم، ذابت طفولتهم عنهم من شدّة حرارة الأحداث في مناطقهم، أينما رحلوا لا إحساس بالأمان، أينما حلّوا يأتيهم الموت من فوقهم ومن تحتهم ومن أقرب الناس لهم، في أحضان أهلهم فقدوا ذاك الإحساس الجميل. تشوّه عالمهم، غرقت صور خيالاتهم التّي تبني منزلًا من الحلوى، يكفيهم اليوم غرفةً صغيرةً تضمّ أمهم وأباهم بلا قنّاصٍ يتجوّل على سطوحهم يترصّد للأرواح الفتية ليقطفها، فالصغار برأيه سيكبرون يومًا ما ليسحبوا روحه، هذا ما يقنع عقله به قبل أن يصوّب الرصاصة لنحر الطفل الجميل.

أطفال السودان يموتون بحربٍ ضروسٍ بين سطوة الشمال ونفط الجنوب، أطفال الصومال ذاب العظم عنهم بعد أن اختفى ما كان يكسوهم من لحم، أطفال البحرين يعاملون معاملة الثوار، يقتلون إذا ما خرجوا مطالبين بتغيير النظام، أطفال فلسطين أصبح استشهادهم عادة لا يستغربها الضمير العالمي، أطفال لبنان يسلّحون لينزلوا إلى الشوارع ويقاتلوا في خنادق الميليشيات، أطفال العرب جميعًا كلّ منهم يحمل في جعبته ذكرياتٍ وحكايا مؤلمة، من ذبحٍ وخطفٍ ورصاصٍ طائش، من ضربٍ وعنفٍ وتزويجٍ بالإغصاب. أطفال العالم العربي يأنون من كثرة ما يمرّ عليهم، يتساءلون في سرّهم عن طعم للطفولة والفرح، مجرد كائنات غريبة  في أيادٍ غير أمينة، ربّما حان الوقت لنسأل لماذا نحضرهم إلى هذه الحياة مادامت الحياة التّي نحياها لا تستحقّ أن تُعاش.

Advertisements