وتقول كلّنا للوطن..

Posted on يونيو 20, 2012

2


المسألة بيني وبين الحكومة هذه شخصية، أنا أكرهها ليس لأنّها من أسوء الحكومات التّي مرّت على التاريخ اللبناني السيء، وليس لأنّ في عهدها تفاقمت الأزمة اللبنانية وبلغت درجةً من التعقيد لا توجد لها من حل، وليس لأنّ رغيف الخبز أصبح الأساس في حياة القاطنين أرضها. أنا أكرهها لأنّها مصرّة على ما تفعله، لم تكلّف يومًا نفسها عبأ الاعتراف بسوء الوضع الذي جرجرت الوطن إليه، مصرّة هي أنّ ما تفعله للبلاد أفضل من تركه للفراغ، الحكومة لا تعرف من تحكم، لا تعرف أنّها موكلةٌ على شعبٍ سحبت روحه منذ زمن، لم يعد يصدر أنينًا ولا حشرجةً تظهر أنّه على قيد الحياة. أنا أكره هذه الحكومة، بوزرائها وداعيمها وكل من يتأمل فيها خيرًا، بكلّ مواطن يرى في الدفاع عنها دفاعًا عن نهجٍ هي تبنته. حكومة المقاومة لا تعبّر عن المقاومة، لم تبذل الدم من أجل أن تحرّر الشعب من ظروف حياةٍ تخنقه، حكومة المقاومة أسقطت وحدها المقاومة، الدفاع عنها خيانةٌ عظمى.

أعيش اليوم بين الناس، بعيدًا عن العالم الافتراضي الذي لا أقربه إلّا لدقائق معدودة حسب ما يسمح به تيارٌ كهربائيٌ يمنّ بحضوره علينا. لا أرى لحملاتٍ افتراضية ولا أسمع لمطالب بثورات تغيير تتمّ عبر الشبكة العنكبوتية. الوضع بين الناس مختلفٌ عن ذاك الذي تجده خلف شاشة الحاسوب. الوضع بين الناس فيه ريبة، شيءٌ من الهدوء الحذر، رضًا بالعيش في منزلٍ تنيره شمعةٌ تنتحر بعد انتصاف الليل، الوضع بين الناس غريب، إحساسٌ بالخدر يسلب منك أي رغبةٍ بالتحرك. كأنّ الشعب عرف الحقيقة التّي أراد من زمنٍ أن يقتنع بها، لكنّه ظلّ يمنح الفرصة تلو الأخرى علّ من يسكن الكراسي يستحي ويخجل، الشعب يؤمن اليوم أنّه يعيش تمامًا خارج الدولة، يتدبر أموره بيديه، يحاول أن ينأى بنفسه عن أيّ شيءٍ يرتبط بها، يهرب إلى الأمام خوفًا من أن تلاحقه لعنتها. هو ارتضى أن يكون من دون دولة ، لا يسأل نفسه أن تثور على سوء الأوضاع، ولا يرى في روحه إمكانية التغيير، آمن بشيءٍ واحد أنّ بالخبز وحده يمكن بالتأكيد للإنسان أن يحيا، لا حاجة إلى كرامة ولا عزّة ولا أي ذرّة حرية تنفخ عليه من بعيد.

وحّدنا التيار الكهربائي، مسلمين ومسيحيين، نعيش في عتمةٍ ظلماء، يلفنا الليل بسكونه المريب، لا نتساءل عمّا يخبأه لنا المستقبل، ننام دون أن نرهق أنفسنا بالتفكير بعد يومٍ طويل من الشقاء والضجيج وموسيقى المولدات الكهربائية التّي تفقدك أي قدرة على التركيز. مشتت الأفكار أنت وأنا، نفكر بألف شيء وبلا شيء. ماذا يمكننا أن نفعل، لماذا يطالبنا الآخرون بالتحرّك، لماذا يريد من حولنا أن نستيقظ، ومن قال أنّنا نائمون.. نحن لسنا نيامًا، لكنّ ما نشهده نوعٌ من مرض عضال، دائرةٌ نسكن فيها منذ أكثر من مئة عام، نفس المطالب ونفس المعاناة ونفس الشقاء. يطالبنا الآخرون بالتحرك، يريدون منّا أن لا ننزلق في الصراعات، يخافون من مخيمٍ مشتعل، يطلبون منّا تحسين التصرّف اتّجاه الضيوف على أرضنا، لكننا لا نستطيع، نحن العنصريون حتّى على أنفسنا كيف لنا أن نناصر الفلسطيني الساكن للمخيمات. المخيم في ذاكرتنا صورةٌ يشوبها الكثير من التشويه، المخيم خوفٌ من الفلسطيني الذي يريد أن يأخذ أرضنا، المخيم عبأ لقضيةٍ أرخت بظلالها على كلّ تفصيل من حياتنا، المخيم صدى حرب شوارع ونهر سلاح ونفوذٌعسكري لأشخاصٍ فلسطينيين لا يمتّون إلى الفلسطيني بصلة. المخيم لعنةٌ متصلّة بلعنة الوطن التّي لا تنتهي. نحن لا نقدر أن نفعل شيئًا، لا نقدر أن ننزع فتيل الصراع ولا أن نحسّن الأوضاع، فمع مرور الزمن لم يتسارع إلّا شيءٌ واحدٌ في حياتنا هو وتيرة انحدارنا نحو الهاوية، لا شيء يدفع للتفاؤل.. لا شيء.

أٍستطيع أن أشعر بأنّها لعبة، أحدٌ ما يريد أن يشعل الفتيل في المنطقة، أحدٌ ما يمرّر السلاح، ويأمر الرصاص باختراق الأجساد البريئة ليفجّر المنطقة. أحدٌ ما يحاول توزيع الجبهة، جبهةٌ في الشمال وأخرى حول المخيمات وغدًا تعلن إسلرائيل حربها. لا أعرف لماذا أجده مخططًا جميلًا، يصلح لتدمير البلد كما في كلّ مرّة، يصلح لإشباع الرغبات الخارجية، كذاك الذي أفكر فيه دومًا سيارةٌ مفخخة أو انتحاريٌ يرتدي حزامًا ناسفًا ويحشر نفسه في سوق المدينة. أكره كوننا مجرد لعبة أو ملعبًا لا فرق، أكره استسلامنا الغريب لمجرد مخططٍ لم ينكشف إلى الآن أنّه أعدّ  بأيادٍ أجنبية ونفّذ بدمى محلية.

لو أنّ الدولة تفكّر بالشعب، لو أنّها تخاف من الشعب كما تخاف من مبعوث الخارجية الأميركية. لو أنّها تسأل الشعب ماذا يريد، لو أنّها لا تغرقه بتحركاتٍ هنا أو هناك، بإطلاق نارٍ غبيٍ أو بعملياتٍ عسكرية. لو أنّها تضرب بيدٍ من حديد من يستحقّ الضرب وتترك الشعب المستكين المستسلم لدوامتها الحمقاء من دون أن ترهقه بعبأ الانتماء إليها.

وطنٌ للبيع، هذا ما اتفق الشعب عليه، لا تحرّك ولا إسقاط ولا ثورة مضادة تزيل نظامًا يعيث بالأرض الفساد، متجذرٌ فينا من قبل ولادة الاستقلال، وطنٌ للبيع، أرضٌ للبيع، شعبٌ للبيع، وعلى الدنيا السلام.

Advertisements