حالة خدرٍ… لا أكثر

Posted on يونيو 17, 2012

0


أنا جثّة، في كلّ ليلة أتحوّل إلى جسدٍ ميت من دون روح، تملئني أصوات الموتى وأنّاة المظلومين على هذه الأرض، تسحب الحياة منّي كلّ تلك المذابح التّي جرت فداءًا  لشخصٍ واحد أعمته نرجسيته عن رؤية الأرواح الفائضة في المكان. لم يكن يرى غير روحه ودفئٌ لكرسيٍّ يملأ العالم من حوله  صقيع. لا شيء ينفع، لا ثورةٌ ولا سباتٌ عميق. كأنّ كلامنا ينتثر في فراغٍ كونيٍّ هائل، فلا يصل إلى أذنٍ لا تسمع إلّا على مستوى رفيع. في كلّ ليلة أنقلب إلى جثّة، أصبح قبرًا متجولًا ، أنبش الأجساد الصفراء الهزيلة التي فقدت حرارتها من زمنٍ قريب، أسمع طقطقة العظام لبشرٍ دفعوا ثمن نزوات الكبار وعاش الكبار ودفنوا هم خلف ركام التاريخ. جثثٌ نحن، عالمٌ صامتٌ لا تسمع فيه غير الفحيح، أنين الموتى والمقبلين على الموت المحتّم المرمية شباكه في أمكنةٍ محدّدةٍ أقنعت من حولها أنّها تستحقّ الموت من أجل أن تخلع عنها رداء القباحة وترتدي الثوب الجميل.

حالة من الخدر الجماعي تنتاب كلّ من يعيش في هذه المناطق الملتهبة، لا رغبة في التحرّك خوفًا من انفجارٍ رهيب. خدرٌ يجعلك تمرّر أيّ شيء، تغضّ الطرف عن حالة بلدٍ منذ أكثر من عشرين عام وهو في غرفة العناية الفائقة، ما يلبث أن يُشفى حتّى تتدهور حالته الصحّية إلى دركٍ سحيق.  شيءٌ من اثنين، إمّا أنّ من يعيش على أرض هذا البلد نوعٌ من الملائكة أو قطيعٌ من البهائم لا تعرف ما يجري لها.

هذه ليست دولة، لا يحق لها أن ترفع علمًا ولا أن يكون لها نشيدٌ وطنيٌّ ولا أن يقف لها شعبٌ مؤيدٌ لما يجري على أرضها كنوعٍ من القدر. هذه ليست دولة لا شيء في وجهها يُظهر أنّها تنتمي لحالةٍ من المدنية، قطعة أرضٍ تائهةٌ لا أكثر، كرةٌ يتقاذفها اللاعبون، يوم يريدونها لهبًا يشعلون نارها، ويوم يرغبون بهدوئها يسحبون أياديهم الخفية ويختبأون خلف هدوءٍ مريب.

لا أشعر بشيء ولا أهتم بشيء، كأنّني على كوكبٍ آخر مع من حولي، كلّ ما يجري ويصيبنا بشكلٍ مباشرٍ لا نبحث له عن تفسير، نلتزم الصمت أو سوق التبريرات التي لا تنفع. التيار الكهربائي لا يأتي إلّا لساعتين ولا أحد يهتم، العمّال يصرفون من وظائفهم يمر الخبر سريعًا دون تعليق، الأمن مفقود، أو هو متلهٍ بإجراء فحوصاتٍ تتنافى والإنسانية والسلاح ينفجر في أماكن مختلفةٍ ولا أحد يحرك ساكنًا، حدود البلاد مفتوحة أمام أيّ شيء، شياطين تعيث على ظهرها والوضع مستمر. وجدنا بدائل نكمل بها عمرًا كُتب علينا في بلدٍ لا يتمتع بمواصفات الحياة البشرية. أسعار كلّ شيءٍ ترتفع، حتّى الهواء قد يثّمن فيه ولا أحد يهتم، الأمن المفقود والحرب التّي تدقّ الأبواب كلّ ساعة، معارك محليةٌ يبشرّنا بها أصحاب ربطات العنق إن لم نلتزم بخططهم المحكمة أو تلك التّي يجري عليها العدو الإسرائيلي بين الحين والآخر تدريباتٍ ومسرحياتٍ على أرضه. كلّ شيءٍ لا يطمئن، التحركات المكوكية والجبهات التّي تحاول أن توّزع على مختلف المناطق اللبنانية، إقحام مختلف الأطراف ببعضها، رصاصات طائشةٌ أو مدسوسةٌ ترمى بكلّ الجهات، تقتل أجسادًا لناسٍ من المفروض أن يصبحوا السبب المباشر لاندلاع حربٍ أهليةٍ وطائفية.

الخدر مستمر، أعيش في مكاني، ولا أسمع لنشرات الأخبار، ولا أقرأ الصحف، ومع هذا لا أشعر أنّ الدنيا بخير، أنا أتخيل سيناريوهاتٍ عديدة، أرى حروبًا وقتلًا وذبحًا وخوفًا ولكن على نطاقاتٍ واسعة. نسمع بالقتل وبالموت وبأعداد الضحايا المتزايدة، نسمع بالمجازر والمذابح الجماعية، نسمع بخطط السلام التّي لا تأتي إلّا بعد مطاحن الحروب. لكنّنا لا نسمع بالحياة، لا نسمع أنّ مجموعة من الأشخاص قد لقوا نصيبهم من الحياة وعاشوا من دون أن تتنغص عيشتهم بهمومٍ يرميها الآخرون عليهم، لا نسمع بأطفالٍ أحياء في فلسطين ولا في العراق ولا في سوريا ولا في اليمن.

حالة الخدر ما تمكنّني من الاستمرار، أسمع لكنّني لا أفعل شيئًا، لا شيء لديّ لأقوم به قد يمنح بعضًا من الراحة لهذا العالم المضطرب. كأنّنا بانتظار السبب المباشر لاندلاع الحرب العالمية الثالثة، مقتل ولي العهد أو أيّ شيءٍ قد يدفع الأمور إلى نقطة الذروة. الخدر الذي أصابني وأصاب من حولي، جعلنا لا نفكّر بالأمور بطريقةٍ عقلانية، جعلنا مصابين بداء الخوف من تدهوّر الأوضاع أكثر ممّا هي، الخوف من حربٍ شعواء تجري على ساحاتنا ولا تقتل إلّا ناسنا دفعنا إلى التزام الصمت عن أفعال دولةٍ لا يمكن أن توجد على وجه الأرض من دون رغبةٍ أكيدةٍ بإسقاطها، الخوف من طائراتٍ في الجو ومن سياراتٍ مفخخة ، ومن اختلال قاعدة الأمن المختلة أصلًا دفعنا لإيجاد الحلول البديلة، لا أحد يفكر بالهجوم على معاقل الدولة لا أحد يفكّر بإحراق نفسه احتجاجًا على أوضاع مزرية، لا شيء يستأهل أن تفقد حياتك لأجله، إنسى، الأوضاع لم تكن أفضل ممّا هي عليها الآن، لم نعش يومًا في حالة سلم تامة، هذه الإشكالات أساسية لاستمرار التمثيلية اللبنانية، أمّا وضع الماء والكهرباء والموظفين الأشقياء فهي أمورٌ تكرّر وتعاد، لا تحل لكنها تخمد لتفور بعد بضع أعوام.

حالة خدرٍ في الأجواء.. لا شيء أكثر

Advertisements