الحرية بلا أدب… إلى رشا وريتا واللاحقون

Posted on يونيو 14, 2012

1


طلّاب شهرةٍ أنتم، يحكي الواحد منكم عن وجعه فيأتيه سوطٍ من بعيد يذكّره بقسوة الواقع. كيف تجرأتم على تدنيس حرمة الجماعة بكلامكم السفيه، الجماعة خطٌّ أحمر، بطلّابها وأساتذتها المتواطئين، الجماعة لا تخطأ أنتم من أخطأتم بسرعة الحكم عليها وكلتم لها ما شاء من الكلمات التّي تكرهها ولا ترغب لأحدٍ أن يسمعها. فهي العادلة المطيعة الجامعة لا تفرق بين فردٍ حلّق في سربها أو اختار الطيران من بعيد.

لا تصدّقوا… فالجماعة متواطئة مع بعضها كسدٍّ منيع. كلّ  رأيٍّ أو انتقادٍ يُقمع، كلّ صوتٍ يختلف وقعه عمّا سمعته يوسم بالحماقة والتعرّض لأمن شيءٍ ليس موجودًا إلّا في خيالات من تعوّد على الأساطير.

الصنم ليس مجرّد بناءٍ من طين، وليس بالضرورة شكلًا متجسدًا أمام نظرنا يطلب منّا تقديم قرابين من دمٍ ومال. الصنم في عقولنا، يُبنى نتيجة تراكماتٍ تجعله يكبر ويكبر ليسيطر على كلّ حاسّةٍ حرّة في الأجساد. الصنم يكبر دون هوادة، نخضع له، نعبده، ولو كنّا مؤمنين. نحن نسجد للصنم نرفعه ونسجّيه على مذبح القداسة العقلية. أفكارنا وكلماتنا وآرائنا لا تمر إلّا ببركته. ننطلق منه لتحديد شكل تعاطينا مع الحياة، يصبح وجوده الافتراضي خطًّا أحمر، وثباتنا الواقعي محض هراءٍ بعيدًا عن حضرته. نحن عبيد الصنم وفي اعتقادنا أنّنا أحرار، نختبأ خلف أصبعنا الضئيل ونحاول تبرير ما نفعله للآخرين. الرأي الذي يخالف رأينا نرى فيه تهديدًا وجوديًا يتطلب ربّما حكمًا بالخيانة العظمى على قائله. مجلسٌ تأديبي ينال من كلّ ضدٍّ لكنّه لا يطال من يقف مع المع.

ما حصل ويحصل في كليّة الإعلام يشعرك بالغثيان، يذكّرك بالبلد الذي لم يخرج بعد من روح المليشيات. تكتب طالبةٌ مقالًا في صحيفة النهار فتقوم الدنيا ولا تقعد عليها متهمةً إيّاها بخرق المحظور وبالتعدّي على أمن الجامعة وتهديد السلم الفكري فيها. تكتب الطالبة لتحوّل بعدها إلى مجلس تأديبي يهدّدها بفصلٍ مؤقت من الكلية وبحرمانٍ من الامتحان. كلّ تلك الإجراءات وليدة مقال حوى هواجس لم يعجب الجماعة الحزبية المسيطرة على مفاصل ومظاهر الحياة في الجامعة. المقال الذي لم يتعرّض لأحدٍ بطريقة نابية ولا فيه أيّ قدح أو ذم استفزّ  حركة أمل ومجلسها الطلّابي ولم يعجبهم.

ومن قال أنّ على النقد أن يعجب الشخص محل النقد. ومن قال أنّ على الحرية أن تأتي مقصوصةً ومحاكةً لتناسب الرأي المسيطر والطاغي فإن خيبت ظنّه انتفت عن كونها حريةً وانقلبت إلى هرطقةٍ تستوجب قطعًا للرؤوس. فالنقد بالنهاية ضرورة لتصليح الأمور. إلّا إذا كان هنالك من رغبةٍ مبطنةٍ بالتحوّل إلى فرعونٍ يبطح كلّ من يقف في طريقه ويعدّه تهديدًا للأمن القومي. كلّ شيءٍ يبدأ من الجامعة، لأنّها المكان الوحيد الذي نخرج فيه عن قطيعنا لنرى القطعان الأخرى، وهنا الامتحان إمّا البقاء في نفس الجماعة وعدم القدرة على الفكاك منها ومن آرائها والدفاع باستماتةٍ عن أيّ خطوةٍ تقوم بها وإمّا الخروج عن السرب المحدّد إلى اللاحدود. التفكير الفئوي يحفر في الجامعة في عقل من يتبانه، نتعلّم هنالك أن نقبل الآخر أو أن نعتبره عدوًا. حب السيطرة والبقاء محافظين على الموقع هو ما يجعل من الحكم ديكتاتورية شرسة. كلّ مؤسسة حكومية هي نموذجٌ مصغّر عن الدولة. إذا أردت أن تعرف أن البلد بخير فانظر إلى جامعته واحكم.

ما جاء في المقال حقيقة ولا يخالطه أيّ كذبٍ أو افتراء. طلّابٌ لم يعبروا أعتاب صفٍّ دراسي ونالوا الشهادة فقط لأنّ لديهم الحظوة عند الجماعة. والكلية التي مرّ عليها الكثيرون وظنّوا أنّهم قبل أن يطئوها يلامسون أرضًا مقدسّة في حرية الرأي والتعبير. اصطدموا بممارساتٍ بشعة، وبنظراتٍ تطلقها العيون الحاكمة على المحكومين، نظرة المسيطر القوي اتّجاه الضعيف الذي لا يملك من يحميه سوى الاحتماء بظلّ من يسكن فوقه. بعضنا لم يقرب، اكتفى بالنظر من بعيد، كانت الجامعة لديه مجرد مرحلة ستنتهي، لم يثر أيًّا من موضوعات المظاهر التي تجعل من الكلية ثكنةً عسكرية، لم يقبل ولم يعترض. و بعضنا الآخر رأى في الأمر سلوكًا بعيدًا عن اللياقة، فيه اغتصابٌ للجامعة التي يجب أن تكون جامعة. لا رايةٌ ولا صورٌ حزبيةٌ ومحدّدةٌ يجب أن تنتشر فيها، لا كلامٌ ولا تصرّفٌ يجب أن ينطلق من خلفية انتمائاتنا.

أشعر أنّنا لم نخرج بعد من الزمن القديم، جيل الآباء الذي كان الاضطهاد سمةً أساسية من حياته أفرز جيلًا من الأبناء لا يختلف عنه. يحمل نفس جيناته، يرى في نفسه ضمانًا لاستمرار جماعةٍ تلوثّت بمجرى التاريخ. من العيب أن نسمع عن مجلس تأديبي في كليةٍ من المفترض أنّها منارة الحرية في الوطن الجديد. وإذ بها نسخةً مستهلكةً عن شوارعنا وأزّقتنا وحاراتنا الضيقة  بكليشيهاتها المعتادة.

“مش عارف حالك مع مين عم تحكي”.

Advertisements