أنا وأبو عبد والعلوم الاجتماعية

Posted on يونيو 12, 2012

0


طوال أسبوع وأنا أدرس لليوم الأول من الامتحان، كلّما خفّت عزيمتي أسعف نفسي ببعضٍ من أحلام اليقظة تمكننّي من متابعة النظر في الكتب المتراكمة لثلاث عشرة مادة هي محور الدراسة في العام الأول لطلاب معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. لم يكن اختياري للعلوم الاجتماعية نتيجة هيام، فالشهادة التي نلتها من قبل في الصحافة لم تسعفني في إيجاد عملٍ يخفّف من رغبتي المتزايدة في حل مشكلة البطالة التي أعانيها ما دفعني لإعادة التجربة في جامعةٍ تعاني من انحطاطٍ غريب.

الاختصاص الذي لا يتطلب حضورًا ولا امتحاناتٍ جزئية بل ينحصر تقييم الطالب فيه على اختبارٍ يجري في نهاية العام الدراسي كان الحل المثالي. المهم أنني درست واستعديت وسافرت باكرًا إلى لبنان حتّى أتمكن من تقديم الامتحان. والبارحة كان يومه الأول، دخلت الكلية التي تعجّ بالطلاب، لم يكن طلب الامتحان معي والذي اعتقدت أنّ إحضاره لا يتطلب أكثر من إبرازٍ للبطاقة الجامعية. فالامتحان هو نتيجةٌ حتمية للتسجيل في أي جامعة بحسب المنطق الطبيعي للعقل البشري. ذهبت إلى مكتب شؤون الطلّاب وطلبت بطاقة الامتحان، وإذ بالرد يصدمني، لا بطاقة امتحان ما دمت لم تتقدّمي بطلبٍ رسمي للمشاركة فيه، وليس هنالك من حل سوى الحرمان من الدورة الأولى وانتظار الدورة الثانية لا أكثر.

ذهلت، هذه ليست المرّة الأولى لي في الجامعة، وبطاقة الامتحان لم تكن يومًا إجراءً بيروقراطيًا يتطلب هكذا نوع من التعاطي، ومن حقّ أي طالب سجّل في الجامعة أن يحصل على مكانٍ لإجراء الامتحان. هل تسجّلت بالجامعة لأؤدي وصلة رقصٍ شرقيٍّ مثلًا، لماذا لم أمنح أيّ فرصة، أنا الآتية لأجل هذا الاختبار حرمت منه بسبب ورقةٍ لا تعطني مقعدًا أضع عليه قلمًا وكرّاسًا.

سحبت نفسي، وعدت أدراجي، علّني أجد الباص الذي أتى بي إلى حرم جامعةٍ لم تقدر أن تجد لي حلًا بسيطًا وعمليًا يحول دون حرماني. صاحب الفان تفاجئ بعودتي المبكرة، سألني، فأجبته بأنّ الجامعة لم تقبل بالسماح لي بإجراء الامتحان لأنّني لم أتقدّم بطلبٍ رسمي، طلب مني الانتظار ليشغّل اتصالاته مع معارفه في قلب الجامعة، بعدها طلب منّي العودة إلى قسم شؤون الطلاب والسؤال عن شخصٍ هناك و إخباره بأنّ فلان أرسلني إليه ويطلب منه أن يحل القضية. والفلان هذا ضابطٌ أو دركي يمون على موظف الشؤون الطلابية، وذكر اسمه وحده قد يسمح لي بالدخول إلى الامتحان.

لم أكذّب خبرًا، عدت لأطلب لقاء الموظف العتيد، لكنّ اسم الفلان ظلّ عالقًا في حنجرتي، شرحت للموظف أنّني لم أكن أعلم بإجراءات الطلب الرسمية، وبأنني لا أسكن هنا وقدومي إلى لبنان كان من أجل إجراء الامتحان، وبأنّ الحرمان منه ظلمٌ غير مقبولٍ وغير مبرر. تكلمت وتكلمت لكنني لم ألفظ الكلمة السحرية بعد، لم أستطع أن أقول له أنّ أبو عبد أرسلني لعندك وبأنّه يطلب منه حلّ مشكلتي، ثقل الاسم رزخ على لساني، كيف لاسمٍ بسيطٍ أن يزيل كل العقد التي رماها الموظف في سبيل منعي من إجراء الاختبار، أشعرني الاسم بضآلتي كفردٍ لا سند له في وطن المساند والمسؤولين. هل سيكون ذاك الاسم وصفةً سحرية تحوّلني من طالبةٍ لا ظهر لها إلى شخصٍ مدعوم سيُمنح ما يريد.

انتابني شعورٌ من القرف، لم أكن لأقول الاسم، كنت سأتقيائه في وجه ذاك الموظف وعقليته البلهاء التّي تجعل من شخصٍ لا أعرفه مفتاحًا لإعطائي حقّي الطبيعي . لم أستطع، وقفت أدافع عن نفسي بأعذاري ولم أقل له اسم المسؤول. لماذا على حججي أن لا تشفع بينما قد يشفع لي اسمٌ لرجلٍ يرى في بزّته أسلوبًا لتسلّق أي شيءٍ في هذا البلد. الشيء الوحيد الذي رغبت أن أعرفه بشدّة هو هل كنت سأجري الامتحان لو قلت الاسم ببساطةٍ ودون كلّ ذلك التفكير والأحاسيس المثالية، هل كان أبو عبد الذي لم يسمع بي وربما لم يتكبد يومًا عناء السهر وثقل الامتحان هل كان سيتمكن من حسم أمري.

رائحة العفن كانت تفوح في الأجواء، رائحةٌ تذكرك برائحة البلد كلّه، المحسوبيات والوساطات التي تذيب أي صعوبةٍ أمام الساكن المدعوم وتُغرق آخرًا في بحرٍ ما له من قرار. العفن يفوح وينتشر من دون أن نقدر على منعه، لا شيء يوقفه ما دام في ذات كلٍّ منّا رغبةٌ في تحقيق مصالحه وحدها. حرمت من الامتحان لكنني لم أطلب معونة أبو عبد. كنت أريد أن أنتصر لنفسي، كطالبة في جامعة وطنية من حقّها أن تجري اختبارها كما أيّ طالب على وجه الأرض. لم أرد لأبو عبد أن يساعدني، لم أرد أن يكون لاسمه ذلك الوقع السحري على الآذان، أنا كنت أريد أن أكون أبو عبد، أن يحترمني الموظف كما يحترم رغبات أبي عبد. أردت أن أحارب خيال أبي عبد، ذلك الخيال الذي كان وقعه على الموظف أقوى من وقع حضوري كبشرٍ لا يطالب بأكثر من حقّه.

لم ينتصر أبو عبد هذه المرّة، وأنا خسرت الامتحان لكنني كسبت كرامة نفسي، لم أهزم أما المحسوبيات والوساطات، خرجت من الجامعة وتركت خلفي العفن، تركت خلفي الطالب المحصّن والمدعوم واليد الطويلة والموظّف الذي لا يمون عليه مواطنٌ عادي لكنّه يقف خائر القوى أمام آخر يخيفه بمركزه وهيبته. تركت خلفي الضعف والمعارف و خرجت من الباب الرئيسي للجامعة دون عفن.

Advertisements