حسن نصَر الله ولم ينصر اللات

Posted on يونيو 4, 2012

0


حسن نصر اللات، هكذا تحوّل من حارب إسرائيل وهزم الكيان الأسطوري ببضع عتاد إلى رجلٍ أسلم نفسه لصنم النظام. من وقف في وجه الاحتلال وأرعب الجنود الصهاينة، ومن عنده بدأووا يحسبون للعرب حساب. الرجل الحكيم في الزمن الصعب. من وعد ولم يُخلف يومًا، لم يفقه لحجج مفاوضاتٍ ولا عرف لمعنى السلام مع عدوٍّ يمارس القتل والغدر كعادةٍ متأصلةٍ في منهج بقائه. الرجل الذي ضحّى بحياته من أجل مبادئ المقاومة، لم يختبأ ولم يساوم على أرواح أهله، لم يكنز خزائنه بأموال. صدّقه الإسرائيليون قبل الأعراب. الرجل الذي دفع بأولاده إلى ساحة المعارك، لم يحبسهم ولم يحميهم، إسوةً بالشعب الواقع تحت نير العدوان. الرجل الذي إذا ما وعد صدق، وإذا ما لوّح بإصبعه ركع المحتل وانزوى الخائن وخاب كلّ من راهن على الهزيمة.
هذا الرجل الذي أيقظ العرب من سباتهم، وأعاد بعضًا من أملٍ إلى الأمّة النائمة، وألهم ملايين الناس بالعودة إلى نهج المقاومة، يسبّ ويُلعن في ثورة سوريا، يلعنون روحه في كلّ تشييعٍ لشهيدٍ منهم قضى في ساحة المواجهة. يلعنونه لأنٌه فضّل عدم الغدر بمن حماه، لم يدر ظهره لمن أعانه في حرب عالميةٍ شنّت على بلاده لإبادته هو ونهجه ورجاله البسلاء. الرجل يلعن ويُسبّ وكأنّه سبب كلّ ما يحصل على سوريا، وكأنّ دعمه وتأييده للنظام هو ما يبقي الأسد ثابتًا في مكانه واقفًا على قدميه.
والكلّ يعرف أنّه لو كان هنالك من إرادةٍ خارجيةٍ جديّةٍ لإسقاط النظام لما استمرّ الوضع على حاله. لكنّ الخطّة العالمية والمصلحة الدولية تقتضي بجرّ البلاد إلى أتون حربٍ أهليةٍ لا تهدأ، تبقى مستعرةً لتبتلع الأرض والسكان. وبذلك تحقّق إسرائيل ما لم تقدر على تحقيقه طوال أعوام الاحتلال، تناحرٌ بين أهل الشام يغرق البلاد في نفقٍ مظلمٍ لا يحوي غير الانتقام.
السلاح انصبّ على البلاد، جعله متوفرًا بيد الجميع دون استثناء. الجماعات المسلّحة تقتل كما النظام، كلٌّ يرمي الموت على أعدائه ويتّهم الآخر بفقدان آخر شروط الإنسانية. نحن لا نعرف ماذا يجري في سوريا، نرى صورًا لمذابح ومجازر بحقّ الأطفال، تظهر على أساس أنّها من ارتكاب النظام ثمّ يأتي بعدها من يفضح الحقيقة ليظهر الأمر على أنّها أفعالٌ وحشيةٌ لأناسٍ مسلّحين قد لا يمتّون لسوريا بصلة. تحولت الثورة إلى نارٍ مشتعلةٍ يزكّيها من حولها.
وحسن نصر الله وقف مع النظام، لكن النظام ليس وحده من يقتل هناك، فالذبح بالسكين صار كطقسٍ اعتياديٍ ينفّذ باحترافيةٍ عالية دون خوفٍ أو رقيب، جلّادون وقاطعوا رؤوسٍ وسكاكين حادة، ينفذّون حكم الإعدام بحزّ الرأس لكلّ من يشمّون فيه رائحة التأييد للأسد حتّى ولو كانوا مجرد صبيةٍ صغار. كلّ طرفٍ لديه جزّاروه، يمارسون القتل اتّجاه من يتمّ تصنيفهم على أنّهم أعداء.
وإلى الآن لم أفهم ما دخل السيد أن يحشر اسمه في أزّقة الشام وزواريبها الضيقة، ما دخله أن يمسح اسمه وتلصق به أشدّ النعوت، ما المطلوب منه اتّجاه أحداث سورية، هل المطلوب منه تحويل صواريخه لقصف قصر الشعب، هل المطلوب منه إرسال كوادره ليحاربوا جنبًا لجنبٍ في الخنادق مع أناسٍ لا يتوّرعون عن قطع الرؤوس.
سميت الثورة ثورة لأنّها ترتقي بالإنسان الذي ينخرط فيها، لأنّ التفاعلات في داخله ما بين مشاعره وروحه وجسده تختلط ببعضها لتنتج معادلةٍ تدفعه إلى التمرّد على واقعٍ مفروض، تمرّد للوصول إلى هدفٍ أسمى وإلى عالمٍ أفضل، لا أن يسقط الأفراد فيها في فخّ الانحطاط ويصبحون أسوأ من الواقع الذي يحاولون تغييره. إن لم تعلمنا الثورة احترام رأيٍ يخالفنا، فهذه ليست بثورة. إن لم تعلمنا كيف نحافظ على انتصاراتنا البسيطة وكيف نحارب السيف المسلّط من النظام بالدماء النقية فهذه ليست بثورة. وإن تحولنا إلى مجرد وحوش نلوك اللحم الحي ونسمع لخبر الموت دون انتفاض فنحن لسنا بثوّار.
الثورة رقي وليست مجاهل لعالمٍ أكثر انحطاطًا.

Advertisements