فليسقط القضاء من الفرات إلى النيل إلى الدار البيضاء

Posted on يونيو 2, 2012

0


كلّ الشهداء يضحكون من السماء، يقهقون علينا  نحن الذين نسكن البلاد المهترئة أرضًا وناس. الثّورة لم تمت فقط، شوّهت ومسخت وتحوّلت إلى غولٍ يأخذ بطريقه كلّ كائنٍ وقيمةٍ في هذه الأوطان. كلّ الثورات عرفت على مرّ التاريخ كيف تحاكم أعدائها، أعدمت، قتلت قطعت رؤوس من عذّب وداس على الشعب طوال أعوام. لماذا على الرحمة أن تنزل الآن، لماذا على الشعب أن يعفوا وينظر بعين الإنسانية لحكّامه الجبابرة الذين كانوا فراعين الزمان. الر ئيس يجب أن يموت، وكذلك أبناء الرئيس وأعوانه وكلّ من لم يثر عليه وقتل الثوّار.

لكنّ حسني مبارك حكم بالمؤبد، ربّما أيامٌ قليلة يقضيها على سريرٍ في غرفةٍ يحرسها جنديان في مشفى عسكري وبعدها يرحل دون عناء، لم يذق من طعم المعاناة التي أذاقها لشعبه، أمواله ستبقى مكانها، ثروته لتي امتصها من دم مصر وعرق الشعب لن تستعاد، مشاريعه الخاصّة ونقوده الموّزعة بين أفراد عائلته  ستبقى لهم دون أن تمسّها يدٌ سواهم، ثلاثون عامًا من السرقة والفساد لن يحاسب عليها أحد، طوّاها التاريخ كما أيّ شيءٍ في هذا العالم المقيت.

أبناء مبارك لن يحاسبوا، ستتركهم يد العدالة أبرياء. الأطفال الصغار لا يمكن أن يحاسبوا، لم يبلغوا بعد سن الرشد. أطفال مبارك لم يفعلوا شيئًا، لا في زمن الثّورة ولا ما قبلها. كانوا كالبلسم على الجرح في عهد أبيهم. لم تلبسهم الرشاوى والمحسوبيات، لم يطالبوا بحصصٍ في شركات كبرى ومشاريع حكومية  فقط لأنّهم أبناء مبارك ولهم اليد الطولى في البلاد. أبناء مبارك نالوا البراءة، خرجوا إلى الشمس أحرار، لا ذكرى لدماء شهداء سقطت في الميدان من أجل محاسبتهم وإدخالهم إلى السجن  ولا صوتُ لأزيز رصاص حيّ يطلق على المتظاهرين ولا ذكرى لواقعة الإبل التّي هجمت على الناس في قلب الميدان ولا حتّى أسراب البلطجية وجماعات المندّسين التّي نظمها الأبناء الشباب، ولا حتّى كلّ رغبات الأب بتوريث الابن لاعتلاء الملك وتمكين امبراطوريته، كلّ ذلك سقط أمام القضاء وكأنّه لم يكن وانزاحت غمامة التّهم عن الصغار لينالو البراءة باسم مصر وشعبها وقانونها الجنائي.

لا ذاكرة للبلاد، هل محيت سطوة ثلاثون عامًا دون أي علامة استفهام. من كان يحكم مصر، من المسؤول عن إفقار شعبها وهتك الحريات، من المسؤول عن محاولة زعزعة الأمن فيها والاستقرار، من جعل الشعب لا يفكّر إلّا برغيف خبزٍ وأغرق خزائنه بالمال، من كان موجودًا على سدّة الرئاسة، من حكم مصر طوال تلك الأعوام، وفظّع بشعبها ومنع عنها الكلام، من جعل كلّ شيءٍ يصبّ في مصالحه الشخصيّة ، من جعل البلاد شركةً عائليةً خاصّة، من جثم على صدر الحكم كقدرٍ وقضاء، من ظلّ يحكم بقانون الطوارئ وسدّ أذنيه لمطالب الشعب وجلس في قصره دون حراك. من عذّب وسجن وأرهب وسمح للفساد أن ينخر عظام الدولة وهو راضٍ ما دامت حساباته المصرفية تكبر في بنوكٍ خارجية. من تحوّل إلى فرعونٍ لا يعرف للقسوة من معنى إلّا على الساكنين الأرض المعذّبين الصامتين خوفًا من غضبه إذا هاج.

العميل في لبنان يبرّئ ويخرج بزفّة وأهازيج وأفراح، والرئيس في مصر يحكم بالمؤبد وربّما غدًا يصدر تخفيفٌ لأسباب صحيةٍ تلزمه البيت والسرير إلى ساعة موته أن تحين، وأبناء الرئيس يخرجون من سجنهم أبرياء، لا يمسّهم حكمٍ أو تجريدٌ من حقوق، يمنحون فرصةً ثانيةً للانتقام من الناس الذين خذلوهم وأسقطوا امبراطوريتهم ولم يراعوا مصالحهم الشخصية التي حاول أباهم منذ أول عهده الحفاظ عليها. ما لهذا القضاء في البلاد لا يعرف كيف يحكم، يحكم باسم الشعب وما للشعب من دخلٍ في القرار، وكأنّه لم يرَ الشعب في الساحات، لم يسمع لصراخهم مطالبين بموت النظام، لماذا على الشعب أن يرحم، لماذا يطلب من الشعب أن ينظر بعين الرأفة للرئيس الذي لو سنحت له الفرصة أن يسلخ جلد الشعب عن لحمه جزاءًا على الثّورة لما تردد.

أسقطوا القضاء الفاسد، أسقطوا القضاة الذين لا يملكون روح الشعب ولا يحكمون باسم الشعب ولا يعرفون ماذا يريد الشعب. القضاء لا يملك ذاكرة الشعب، القضاء يستقوي على الشعب بالرئيس لكنّه أبدًا لا يستقوي على الرئيس بالشعب، يظلّ يخافه وهو ساقط، ينسى ما فعله والرئيس قد سقط. أسقطوا القضاء الفاسد من الفرات إلى النيل إلى الدار البيضاء.

Advertisements