أنا بدّي صير عميل

Posted on يونيو 2, 2012

0


ليس حلمًا ما تراه يا أنطوان لحد على شاشة تلفازك في إسرائيل، صدّق وتأمّل وارسم في مخيلتك صورةً لاستقبالٍ مهيب. بريءٌ أنت، كما هم، من تهمٍ ألصقناها بكم ظلمًا ودون تدبير. بريءٌ أنت وترتدي بزّةً زيتيةً عسكريةً كما جنديٍّ إسرائيلي، بريءٌ وأنت تحاصر ضيعةً، وتجرجر أهلًا وتطلق النار والقنابل على من يهدّد الأمن الصهيوني. بريءٌ وأنت تؤسّس جيشًا، وتنظّم جحافل من العملاء الخائنين المتآمرين على وطنٍ وقع تحت نير الاحتلال. بريءٌ وأنت تزحف خارجًا، تهرب من يد مقاومٍ آمن فحرّر، تفرّ خوفًا من قتلٍ واقتصاص. أنت بريءٌ يا أنطوان، لست عميلًا، نحن من كذّب على أنفسنا وعلى التاريخ، تهيّأت لنا صورتك وأنت تحارب إلى جنب إسرائيل، وفايز كرم ليس عميلًا أيضًا، كل هذه السنوات من التخابر مع طرفٍ آخر كان محض هراء، لم يعرف الرجل أنّه يفضح أسرارًا وينقل معلوماتٍ خطيرة لعدو يقع خلف خطوطٍ حدّدت بالدماء، وكذلك زياد ليس عميلًا ذلك الآخر، الدولة لم تفهمه، كان يريد أن يصبح رأفت الهجّان اللبناني، يفيد الوطن بما يأتيه من أخبار، عميلٌ مزدوّج، بطلٌ قومي، لا، أبدًا، لم يرد أن يصبح عميلًا.
نحن نعتذر منكم أيها العملاء الشرفاء، أخطأنا بحقّكم، أنتم أردتم خير الوطن، ونحن الناس البلداء، لم نفهم ماذا تريدون، قاسون نحن، نعرف كم عانيتم باتهاماتنا الباطلة والمجحفة. لا يمكن لكم أن تخونوا الوطن، تهمة العمالة تلك ألصقت بكم، تستهدف تشويه سمعتكم وصيت طوائفكم وشرف مناطقكم. إنّها مؤامرة عالمية وعربيةٌ ووطنية ليس أكثر. الآن وقد ظهرت الحقيقة، خرجتم من السجن منشرحين، ذابت سنين ذنوبكم وكأنّها لم تكن، محيت من الذاكرة كلّ الشكوك التي ثارت يومًا حولكم، خرجتم من الزنزانة ولم تطئوا أرضًا، رفعتكم الأكتاف، وأغرقتكم الأيدي بالأرز والزهور، نحرت لكم الخراف، وأطلقت الزغاريد، أنتم أبرياء الآن بلمح البصر.
لإرضاء الطائفة نحن نبرّئ العميل، لكفكفت دموع الطائفة نفرج عن مجرميها المحتجزين. فاتهام العمالة لمسيحي هو اتّهامٍ ينطبق على كلّ المسيحيين، والقبض على عميل سنيٍّ هو جرجرة للطائفة السنيّة كلّها إلى درك الخيانة والتعامل مع العدو. الفرد هو من الجماعة، أعماله القبيحة والحميدة تشمل الجماعة كلّها تحت جناحيها. لا يمكن لطائفة أن تكون عميلة، إذا لا يمكن لفردٍ أن يكون عميل. يبرّئ بسرعة، بمحاكمةٍ تبدو صورية، تمحى كلّ التهم عنه، تُخرجه طائفته المبجلة من سجنه خروج الفاتحين، يظهر للعلن كما البطل، التطاول عليه يعدّ مسًّا بكرامة الطائفة وصورتها التي يجب أن تبقى بعيدًا عن الاهتراء. يطالب هو وطائفته الجميع بالاعتذار، فما حدث له هتَك حرمته وهو بريءٌ الآن، كأنّ تهمة العمالة تفوح من دون وجود آدلة واقعية، وكأنّها ليست رائحةً تعبق بأجواء حياته، تراها على كلّ تفصيل صغير، تكشفها بتفتيشٍ بسيط، أجهزة اتصالٍ حديثة، نظام تواصلٍ وحشدٍ للمعلومات، وتحركاتٌ مشبوهة.
لم يكن علينا أن ننتظر الدولة لتحاكم العميل. لم يكن علينا أن نرى المحاسبة الجليلة والخروج المظفّر للعملاء واحدًا تلو الآخر. منذ دحر إسرائيل عن أرض الجنوب والعملاء يحاكمون بستة أشهر وبعقوباتٍ لا تليق بتهمة الخيانة العظمى، يخرجون من سجونهم كأنّهم لم يقتلوا أو يمارسوا التعذيب والترهيب بحقّ أبناء الأرض. العميل يخرج من دون أن يدفع ثمن العذاب الذي سبّبه، يمارس حياته بطبيعيةٍ لا تختلف عن تلك التي كانت مع وجود الاحتلال. يطالب بإعادة حقوقه، يطالب بحقوق الآخرين بالعودة من إسرائيل عودة المبجّلين الشرفاء، وأولئك الشهداء المرميون تحت تراب الوطن الذي لا يستأهل نقطة دماء، وأولئك المعتقلون المتأذون على يد العملاء، أولئك لا تسمع الدولة لأنينهم، لا تحتفل بهم، لا تقتل عميلًا واحدًا فداءًا لهم.
سنبقى هكذا في لبنان، نخاف من المحاسبة بيدٍ من حديد اتقاءً لحزن الطائفة. نرفض العدل، ونناصر الظلم لأنّ في ذلك ضمان لأصواتٍ انتخابية ستتكاثر ذات يومٍ في صندوق اقتراع. لا نحاسب المجرم والخائن خوفًا على كرسيّ يطير إن تحقّق الحقّ في مقامه وذهب الباطل. هذه الدولة لا يمكن أن تقوم إن بقيت على طريقتها في التعامل، تحكم الطوائف على رقبتها وهي مستمرةٌ في الاستسلام، لا تقف منتصبةً في وجه الهراء الحاصل على ساحتها، يخرج العميل والإرهابي من سجنها دون عناء، يخرجون خروج الأبطال، دون انكسارٍ أو خجل، وكأنّنا كنّا المذنبون بحقّهم، أو أصحاب الافتراء. وهم العملاء من ساعدوا العدو على أبناء البلاد، من حدّدوا له أهدافه العسكرية، من ارتكبوا المجازر بحقّ الأطفال والمدنيين. وهم الإرهابيون الذين يتنقلون بسيارة مفخخة و تفجيرات، يحصدون الأرواح ويديرون الفتن والنعرات. وساعة تسمع أنّ البلد خراب فلتعلم أنّ السبب كان إطلاق العمالة والإرهاب من قفص الاتهام دون حكمٍ بالموت الأحمر والإعدام.

Advertisements