الحروب السلفية

Posted on مايو 29, 2012

1


يحلو لي أن أفكّر بالسلفية كالمد الصليبي الذي اجتاح عالمنا في تاريخٍ مضى، الزمن يعيد نفسه لكن بطريقةٍ مختلفة، بممثلين يتقنون الدور باحترافيةٍ عالية. كما اجتاح الصليب وحُكمت الأرض باسم الدين والإله واحتزّت آلاف الرقاب قربانًا على مذبح المقدّس وهتكت حرم المدن وسبيت النساء وتشرّد العالم كما حصل ذلك ذات حقبةٍ من الزمن سيعود الأمر ليطّبق دون أدنى صعوبة. الحروب السلفية، ليس الأمر بعيدًا عن الأذهان، والعالم الذي ظلّ خفيًا عن الصورة العامة للبلاد يطفو إلى السطح عند كل مفصل واستحقاق. لم يخيب السلفيون والإسلاميون ظنّ أحد، ظلّوا يتسلقون على أكتاف الجميع وبمساعدة الأيادي المختلفة حتّى سيطروا على مظاهر العديد من الدول. في مصر انحسر التنافس الرئاسي بين مرشحين أحدهما إسلامي والثاني من بقايا النظام الساقط الذي لم تطله أيدي المحاسبة. في تونس السلفيون المتشدّدون يحكمون الزمام على أمور الحكم. أينما ذهبت وجه التشدّد الإسلامي يطلّ من بين الجموع كقدرٍ لا مهرب منه.

أحيانًا أرى نفسي مصابةً بالإسلاموفوبيا، أنا المسلمة المرتدية للحجاب أخاف من المد الإسلامي الذي يزحف بتؤدةٍ ودون توقف. أنا المسلمة أخاف من المسلمين إن سيطروا على مرافق الحكم وقرّروا الحكم وفقًا لشريعةٍ إسلامية. لأنّني أرى في الإسلام الذي يبشّر به هؤلاء تقوقعًا على النفس واحتكارًا للصلاح والمفاهيم السامية وتشويهًا للآخر ورفضًا للمشاركة مع من نرى فيه جذوة اختلاف.  أرى في الإسلاميين جيشًا عاد إلى زمن السيف، ينحر من يختلف عنه بحجة الكفر والهرطقة، يرى في نفسه الطهارة وفيمن يخافه عنوانًا للنجاسة لا أكثر. كلما فكرت بالمستقبل أراه قاتمًا لا لون فيه. 

لماذا أخفقت الثورات بشدّة في كافة البلدان التّي اشتعلت فيها، لماذا لم نرَ تغييرًا يليق بالسنوات العجاف التّي قضيناها تحت سطوة نظام. أردنا بدايةً تغيير العالم ونحن نغيّر بلدنا، ظنّنا أن الوضع لا بدً أن يكون أفضل، فلا بدّ من مغامرةً بعد هذا السبات العميق. انكسرت وجوهونا يوم رأينا نتائج الثورات، يوم رأينا الشعب لم يتغير، أسقط ديكتاتورًا لينصّب ديكتاتور آخر، لم يعتد بعد على فكرة الخيار، ظلّ طوال الوقت خائفًا ومرهونًا وتابعًا وغير مسؤول. الشعب لم يتعلّم، لم يجرب الوعي بعد، ظلّ يتحرك دون هدف، جُنّ وانتشر في الأزقّة والشوارع لا أكثر، لم يتكوّن عنده ذلك الحسّ المفاجئ بالرقي، لم يتخلَّ عن عادته القديمة بتفضيل الاستقرار ورغيف الخبز على عنفوانه وإرادته. ظلّ طوال الوقت مسلوب، فار ولم يثر.

الثورة أخجلتنا، أينما كانت تحوّلت إلى عبإٍ على أهلها وناسها، في اليمن تخلّى الناس عنها لصالح إصلاحاتٍ موعودة بعدما فشلت الميادين المملوئة في صدّ الطريق أمام الانجراف الهائل والسريع إلى حربٍ أهليةٍ قد تودي بالشعب لقاء إصرار رجلٍ واحد على الجلوس على كرسي الوطن. في ليبيا الإعلام لم يجلب سيرتها من ساعة سقوط القذافي فلا أحد يعرف ماذا حل بالبلاد بعد التدخّل العسكري الخارجي الذي حدّد كلمة الفصل للثورة، هل أطبق عليها وسيّطر على منابع النفط فيها وكذلك الغاز. في البحرين الثورة أصدرت حكمًا بالنفي الافتراضي على من في البلاد، لم يعد الشعب من يسكن هناك بل مجموعةٌ من الأغراب جلبوهم وجنسّوهم كي يقوّوا من موقف الملكية المسيطرة على المملكة دون عناء، عبد الهادي لم يُحاكم ولم يطلق سراحه وسقط كورقة خريفٍ من روزنامة الأحرار في هذا العالم، عبد الهادي الخواجة ومن معه لم يحاكموا وسجنوا لحين بتّ القرار بعد أشهرٍ طويلةٍ من الآن. في سوريا الثورة انتحرت منذ زمن، شربت هي وسوريا نفسها كأسًا من السمّ، تجرعاه معًا وسقطتا دون حراك. الثورة فشلت في تحقيق ولو هدفٍ يجعل من الأمل شعاعًا رقيقًا يظهر في نهاية النفق، الثورة قضت على سوريا، لم ترحم كل من فيها، الشعب يموت والوطن كذلك، لاربيع كان في ثورة سوريا، وحده الصقيع والظلام مسيطرُ هناك، مصرٌّ على عدم ترك البلاد دون هلاك.

الحروب السلفية بدأت ولن تتوقف إلّا بعد ألف عام، والقتل باسم الدين والمقدّس لن يكون صعبًا على أهل ذاك المنهاج. وحده من يمنع حدوث ذلك هم الناس، الناس البسطاء الذين يمنحون أصواتهم وبصماتهم بناءًا على نظرةٍ آنيةٍ للأمور. وحدهم أولئك من يحدّدون معالم مستقبلنا، وينسجون خيوط الزمن القادم إن استطاعوا أن يعرفوا أن الثّورة لا تكون بسقوط النظام فقط، بل بسقوط أفكار النظام وأتباعه وفلوله وأعدائه وكلّ ما جاهد على بنائه أو دماره طوال أعوام حكمه. وحدهم من يقرّر إمّا الهلاك أو الرقي والصعود.

Advertisements