من سيقتل أطفالي؟

Posted on مايو 27, 2012

1


أطفال فلسطين لم يمنعوا الصواريخ الذكية من أن تسقط على أطفال العراق، وأشلاء الأطفال في قانا، ذلك الجسد من دون رأسٍ لطفلٍ رضيع لم يقف أمام ارتكاب مجزرةٍ ثانية للقرية اللبنانية ذاتها. لا قطع الأجساد الصغيرة في بلدة جنوبيةٍ صامدة، ولا لحمٌ متناثرٌ لأطفال كابول، ولا صمتٌ مطبقٌ لموتٍ انقضّ على أطفال صنعاء، ولا رصاصةٌ طائشةٌ انغرست في جسد صبي في دمشق، ولا صورٌ لتقطيع جسد حمزة الخطيب باسم الموت والحيوانية التي انقلب إليها الكبار، ولا ذبحٌ بسكينٍ حادٍ لعائلةٍ في أرياف سوريا، كلّ هذا لم يمنع للصور أن تأتينا كاشفةً النقاب عن أطفالٍ ممدين في بركةٍ من دماء، صمتٍ مقرفٍ وقشعريرةٌ تهتزّ لها الأبدان.
الأجساد الصغيرة الممددة دون حراك، الملفوفة بكفنٍ أبيض لفّ حولها لألف مرّةٍ بتؤدةٍ وإحكام. الأبيض الذي يحوّل الأطفال الأشقياء إلى عصافير في الجنان. لكن من قال أن الأطفال يرغبون بجناحين تلتصق بأطرافهم ليتحولوا في السماء إلى ملائكةٍ صغار، من حدّد رغباتهم، وألقى عليهم هذه النهاية التي تبرّر قتلهم. الأطفال الآن تحوّلوا إلى ملائكةٍ صغار، لا لم يموتوا، لم تفتقدهم الأرض لأنّهم يحلّقون عاليًا فوقها.
لكن الأطفال لا يرغبون بالطيران، أنا كنت طفلةً صغيرةً ولم أحلم يومًا بالطيران، كلّ ما أردته كان أنّ أظلّ في عالمٍ جميل مضحك، لا يموت فيه أحد ولا نفتقد فيه لأحد. لم أرغب بالطيران، أردت أن أعيش في عالمي ببساطة أي طفلٍ في العالم، أن ألعب ولا أقلق من طائرةٍ تحلّق في السماء تستهدف طريدةً ما، أن ألعب ولا أخاف من حربٍ تهددنا كلّ بضع سنوات. لم أكن أريد أن أصبح ملاكًا، كنت أريد أن أعيش كطفلٍ وأضحك كطفلٍ وأنام كطفلٍ كذلك، كنت أريد أن أكبر على مهلٍ ويد أمي تلتف حولي لتحضنني، لم أكن أريد أكثر من ذلك.
كم أكره العالم. ذلك الذي لا يتعلّم من ضحيةٍ واحدةٍ تقع على أرضه فيتوب. كم أكره العالم ذلك الذي لا يصدّق أنّ الأموات لا يعودون، وأنّ الأطفال يمكن أن تُسرق ابتساماتهم وتختفي خلف غبار الظلام والرصاص الذي أراده عنوانًا لكافة مراحله. العالم لا يستوعب عدد الأطفال الذين حولهم إلى ملائكةٍ لحدّ الآن. لو نظرنا إلى السماء لرأيناها تضجّ بالأطفال الطائرين المتنقلين بأجنحةٍ، الهائمين بانتظار أطفالٍ آخرين لم يملّ العالم بعد من دفعهم كأثمانٍ لمخطاطاته الحمقاء.
كم من الأطفال يُستلزم بعد أن يموتوا حتّى يصبح العالم بخير. كم من الأحلام علينا أن نذبح من الوريد حتّى الوريد حتّى تعود البلاد لعقلها وتوقف حفلات الجنون. شبّيحٌ أو متمردٌ أو ثائرٌ أو رجلٌ أرعنٌ قرر أنّ الصغار سيكبرون غدًا ليصبحوا أعدائه.. كلّ أولئك قاتلون. سيحاسبون بأرواحٍ سحبوها عنوةً من الأجساد، أقحموها في معاركهم الغبية دون رحمة. لا كرسي ولا منصب ولا سلطة ولا حرية ولا عدالة ولا نظام يمكن أن تساوي ثمن تلك الأرواح وحرارتها التي انتفت من الوجود. لا شيء يمكن أن يعادل ثقل الدماء ولا حتّى الثورة نفسها. إن كانت الثورة من تقتل أوقفوها فلا شيء يعادل نبضًا حيًا لجسدٍ يسكن هذه الأرض، لا ثورة تعادل أمنًا وحضنًا دافئًا وابتسامةً لصغيرٍ يحلم بعطلةٍ صيفيةٍ لا ذبح فيها ولا خطف ولا قتل ولا أجساد مجموعةً كقدرٍ كُتب على البلاد.
الأطفال الذين استشهدوا في الحولة ليسوا أطفالًا من كوكبٍ آخر، هم كأطفالنا يحلمون ويلعبون ويضحكون. هم كأطفالنا إلّا أنّ حيوانية من يعيشون بينهم قضت عليهم، قساوة القاتل ويده التي لم ترتجف وهي تحتزّ الأعناق، لم يختلج قلبه، لم يرَ في فتاةٍ صغيرةٍ طفلته التي تركها نائمةً دون أن يعلم أن الأرواح تمتلك قدرةً على الانتقام، دون أن يعلم أنّ الأسى يكبر وأنّ الأموات لا يسامحون ولا يصفحون ولا حتّى ينسون.
الرحمة لأطفال سوريا الأبرياء الذين لن يكبروا بعد الآن ليرتاح أهل النظام وأهل جيش الأحرار سواء.

Advertisements