ابتزازٌ طائفي

Posted on مايو 23, 2012

0


عَرفت السر، لم يكن في الأمر ضعفًا ولا خوفًا من قوى خفية، ولا كان عدم درايةٍ واستلشاقًا بالأمن والحفاظ على استقرار البلاد. ولا كانت هنالك رغبةٌ بالتدمير وخلق معالم جديدة للشرق الأوسط العتيد. هذه السياسة لا تنفكّ تفاجئنا، تطلق العميل والإرهابي وكأنٌ شيئًا لم يكن. تصنع رؤيةً جديدة للأحداث، ترى الأمور من زاويةً لا علاقة لها لا بوطنٍ ولا بدولة. لعنة العيش المشترك التّي تجعل من كلّ مجرمٍ بطلًا في فصيلته، تمنع تطبيق العدالة ذلك أنّ لا فريق يمكن أن ينتصر على فريق الآخر. كأنّ أيّ حسابٍ أو معاقبةٍ هو جرحٌ مباشر في جسد الطائفة، لا يندمل إلّا باعتذار أو بانتقام. الدولة لا تستطيع أن تتحرك، ترى نفسها مكبلةً في إرضاء هذا وكفكفة دموع ذاك واتّقاء شر آخر. ابتزازٌ عاطفي يهدّدنا بالعودة إلى أعوام الحرب الأهلية عند كلّ منعطف طريق. ابتزازٌ يكاد يطيح بأيّ قدرةٍ على الحراك. يجعل من الخبز والوقود وأقساط المدارس وخدمات الضمان المعطلة مجرد ترفٍ لا يمكن المطالبة به لأنّنا مشغولون بتعزيز قدراتنا على العيش المشترك والحفاظ على السلم الأهلي الذي إذا ما انفرط رحلت معه البلاد كلها بناسها وأهلها سدى.
العميل، الذي أثبتت أدانته بالاتصال مع العدو الإسرائيلي وتسريب أسرار الدولة، يطلق سراحه كي لا تبتأس بذلك طائفته ولا فريقه السياسي. حتّى محاسبة كلّ الخائنين ومجندي جيش لحد ظلّت فكرةً تستفزّ فريقًا وتقضّ مضجع فريقٍ آخر حتّى وصل الأمر إلى المطالبة بالعفو عنهم وإعادتهم مكّرمين إلى بلادهم التي باعوها لأول محتلٍ يطأ أرضهم من أجل حفنة مالٍ وأمان. كم من الأشخاص يطلق سراحهم لأجل معادلاتٍ سياسية وتقسيماتٍ طائفية تجعل من الاقتصاص من الفرد كأنّه اقتصاصٌ من الجماعة بكامل أفرادها.
والبارحة أطلق سراح شادي المولوي الذي قبض عليه بجرم إنشاء خلية عسكرية هي فرعٌ من تنظيمٍ إرهابيٍ كبير. أطلق سراحه ببساطة وبكفالةٍ لا تتجاوز الخمسمئة ألف ليرة لبنانية، وأُقلّ بموكبٍ مهيب إلى طرابلس ليكون باستقباله رئيس الوزراء نجيب ميقاتي. كيف هذا، لا أحد يعرف، كيف تمخضّ القضاء اللبناني عن هذا القرار، لا أحد يعرف. غير أنّ جوابًا واحدًا يمكنه تفسير الوقائع، وهو أنّ شادي المولوي الَّذِي كان شرارة أشعلت أحداث طرابلس وكادت تحرق البلاد بنيران حربٍ طائفيةٍ شعواء، أطلق سراحه خوفًا من غضب الطائفة السنية وأهلها، وخوفًا من نبذهم لمشاريع الزعماء وأصحاب القرار لهم في السلطة.
كلّ شيءٍ في البلاد ينزلق إلى زوايا ضيقة، يُقاس وفقًا لحسابات الطوائف والأحزاب السياسية، مصالحهم وتطلعاتهم ومخطاطاتهم وحدهم من دون أن يكون لها علاقةٌ بالوطن. الفرد فيهم هو بحجم الجماعة كلّها، معاقبته تعني معاقبتهم جميعًا، سجنه كذلك، وكلّ عملٍ موجّهٍ ضدّه يكون موّجهًا ضدّهم أيضًا. لا يمكن لبلدٍ يحكمه الابتزاز العاطفي أن يستمر. لا يمكن لوطنٍ قانونه لا يطبقّ إلّا على من يفتقد تغطيةً سياسيةً أو طائفيةً أن يقوم. لا يمكن لأرضٍ لا تعاقب من عاقبها خوفًا من تمرّد جماعتها عليها أن تظلّ قائمة.
من أجل هذا نحن مجرد ملعب، لا قرار لنا يمكن أن يطّبق إذا لم يرضِ كلّ الطوائف الأخرى. لا يمكن للدولة أن تقوم إذا ما رفضت أن يكون الفرد بمقاس الفرد لا أكثر. فلا يصبح كلّ فردٍ ممثلًا لجماعةٍ ضرره من ضررها، وفائدته من فائدتها.
ساعة نقدر أن نتجرّد من إحساسنا كأعضاء في جماعةٍ تحمينا من سطو الجماعات الأخرى يمكننا فقط أن نبدأ في التفكير ببناء وطن. ساعة نتحول إلى مواطنين لا يخيفهم تعرض مواطنٍ آخر إلى العقاب، ولا يشكّل لهم العقاب حساسيةً قصوى اتجاه الدولة فيمتلأ قلبهم بالنفور. وساعة تتوقف الدولة عن التعرّض لابتزازٍ عاطفي يجعل من مسؤوليها مجرد حفنةٍ من المتزلفين الذين لا يرغبون بأكثر من كرسي يبقيهم في موقع السلطة يمكننا عندها أن نفكّر في بناء الوطن. وإلى أن تحين تلك الساعة سنبقى نتخبط في مزرعة الطوائف والمناطق والجماعات.

Advertisements