ملعبٌ لا أكثر

Posted on مايو 21, 2012

0


وبينما تشعل إطارًا لتقطع طريقًا رئيسًا يمر من أمامك على غريبٍ تظنّه عدوّك، هنالك في العالم من يشرب كأسًا على جثّتك الهامدة. وبينما أنت تظنّ نفسك ثمنًا عظيمًا لزعيمٍ خلّفك في البلاد وهو طار إلى أصقاع الأرض، اعلم أنّ الرجل لا يراك ولا يعرف اسمك ولا حتّى يميزك إن تقاطعت بينكم الطريق، بنظره أنت جنديٌّ من المرتزقةٍ خُلق ليكون فداءًا له وحده. وأنت تظنّ أن السلاح لا يمكن أن يفلت من بين يديك ويفجّر دماءً بريئةً على أرض شارع تذكّر أنّ قنّاصًا في زمنٍ مضى كان قد أرعب حيّك وقتل جدّك وأرخى بغمامةٍ سوداء على ماضيك. وبينما أنت تشعل روحك حقدًا وكرها اعلم أنّك وحدك من يحترق أنت وبلادك وكلّ من فيها، أنت وحدك من يدفن مستقبلًا لا يُشترى إذا ما تم بيعه على قارعة الطريق. وبينما أنت تظنّ أنّ بإمكانك أن تقتل أيّ أحدٍ لنقمةٍ خُلقت معك في صدرك منذ ولادتك، تذكّر أن من تقتله قد يقتل يومًا ما أطفالك وكلّ عائلتك. وبينما أنت تظنّ أنّ الأحلام قد تستبدل وأنّ الزمن سيعيد نفسه ولو بصورةٍ أجمل لا بدّ من تذكيرك أنّ الميت لن يعود من قبرٍ التحف ترابه، والمخطوف كذلك لن يعود تمامًا كما لن تزول ندوب الحرب عن جسدك وروحك معًا.
التاريخ يسخر منّا، يعيد نفسه معنا وأحيانًا إلى حدّ الاستنساخ. لم نمل بعد من نفس الحكاية التي تُروى. طائفيةٌ وطوائف وجماعاتٌ وكنتونات. جماعتنا وجماعتكم، مناطقنا ومناطقكم، طرقاتنا وطرقاتكم. كلّ هذا على وطنٍ واحد. كلّ طائفةٍ وفريق يرى في الآخر تهديدًا وجوديًا له يمنعه أن يستمر بحياةٍ طبيعية. كلّ واحدٍ منّا مصرٌّ على أن يعرف من يكون الآخر. لا يكفيه أن يكون مجرد إنسان. لا يكفيه أن يعامله معاملة البشر. كلّ واحدٍ منّا يريد أن يفصّل الآخر على مقاسٍ يناسبه. نعيش في طوائفنا كلباسٍ إجباريٍ إذا خلعناه نتعرّى.
لم أعد أقوى على احتمال أيّ حرب. لا قدرة لي على سماع هدير طائرةٍ حربية في السماء ولا حتّى على سماع أزيز رصاص. أنهكتنا الحرب. تأتينا بكلّ الأشكال ومن مختلف الدروب. كأنّها قدرٌ مكتوبٌ علينا دون سوانا. أرضٌ حاميةٌ لا تهدأ، خيالات قتلٍ ودمارٍ إن لم تكن خارجيةً تلوح بوادرها داخليًا. لا يستطيع أحدٌ تكرار حربٍ أهليةٍ دُفع ثمنها روح بلدٍ لا تعرف الشفاء، فكيف نقرّر إعادتها نحن. لا مقدرة لي على الحرب. لا أريد رؤية مزيدٍ من الجثث تزيّن ذاكرتي، ولا أريد أن أصل إلى نقطةٍ ظننا جميعًا أنّنا تجاوزنها منذ زمنٍ مضى. هل صعبٌ علينا لهذه الدرجة أن نعيش مع بعضنا ببساطةٍ ودون تعقيد.
البلد ملعب لا أكثر ولا أقل. السلاح الذي تدفق في الشوارع. صوت الشباب الهائج، الضرب والاعتداء الهمجي على كلّ أحدٍ يُرى فيه ملامح من فريقٍ آخر. البلد ملعب، يحلو بين كلّ حين أن يفتح أرضه أمام فرق العالم أجمع. يحلو له أن يكون مجرد عشبٍ يُداس وطابةٍ يتراماها الأفرقاء دون تعب. تصفية حساب، أم معركةٍ لبلادٍ بعيدة رأت في أرضنا ساحةً جميلة لتفتك بمن ترغب. البلد ملعب، ساعة يريدون إطلاق النار يجدون ألف مدخل، وساعة يرغبون بالتوقف ينتشلون أياديهم ويخرجون دون تعب، لا ناس لهم في البلاد بل مجرد شعبٍ غريبٍ أخرق. اللاعبون ليسوا منهم، والأرض ليست أرضهم، وحدها كرة النار تعود لهم بما فيها من مصالح وحساباتٍ ومغامراتٍ ضيقة. مواطنوهم ليسوا هنا، يعيشون مرتاحين لا شيء يعكّر بالهم، لا موتٌ مجاني ولا رصاصةٌ تخترق الصدر كعادةٍ يوميةٍ على الأرض هناك. البلد ملعب، يغلي على نارٍ ليست له لا أكثر.

Advertisements