هشاشة

Posted on مايو 17, 2012

0


هدوءٌ هش، توازن رعب، سلاح، مسلح، قنّاص، قتلى و جرحى. ليست معركة بين البلاد وعدوّها الرابض على أسفل أرضها. وليس في الأمر حربٌ ولا عمليات عسكرية. ما يجري هو في شمال لبنان. حيث الفوضى كان معدًّا لها أن تبدأ من هناك وتتمدد وتكبر لتعمّ كل المناطق والساحات. نزل الأطفال للشوارع لا ليلتهوا بطابةٍ أو بحجارة، نزلوا ليلعبوا برشاشات وبنادق ورصاص، يطّبقون دروسا تعلموها على أجهزة حاسوب أو شاهدوها على شاشات التلفاز. المعسكرات التي بنوها ذات يوم افتراضيا تنقلب في عالمهم إلى حقيقة واقعة. الشوارع التي ملئوها جثثا على شبكة عنكبوتية تحولت إلى أجساد من لحم ودماء. ليست حربا بالنسبة لهم، هي لعبة لا أكثر، يحملون بنادقهم ليقتلوا من أشار إليه من هم أكبر منهم، أشخاص يرتدون بذلة مرقطة يأخذون جماعتهم فردا فردا، يملئون السجون بآبائهم وإخوتهم وأعمامهم، يرمونهم في زنارين دون محاكمة، والصغير يختزن في داخله كل ما يسمعه من كلام، يكبر رويدا لينتقم من العسكر الظالم، يكبر ليقتل من ظلمه، يكبر ويكبر الحقد معه، لا أحد يحول ما خزّنه في ذاكرته إلى شيءٍ جميل، لا شيء جميل في البلاد، لا أحد يخبره أن هذه أزمة وستعبر، كغمامةٍ سوداء تمضي. يكبر الصغير رويدًا، يكبر على مقولة أن حقه ينتزع ولا يطلب، يكبر وفي عقله حلم رصاصة وبندقيه، يكبر ليقتل كل وجه عابسٍ أوقفه ذات مرّةٍ لساعات على حاجز، يكبر ليعرف أن كل من يحيطه في هذا الوطن عدوه، من يسكن غربه وشماله وجنوبه كلّهم لا يرغبون به، أو لا يعبأون بمطالبه.
كل تلك المصطلحات تملأ عالمنا اليوم دون أن نعير أذنًا لمخاطرها. نذكر التقسيم كمن يتسلّى، نتحدث عن الكانتونات والميليشيات وامتشاق السلاح دون أسى. نصبح على شفا حرب أهلية ولا نتأثّر، بل نعمل على زيادة التقوقع والابتعاد عن الأماكن الخطرة، المهم أن لا تصيبنا رصاصة طائشة. في كل حين يطلّ القناص برأسه من عن أسطح البنايات. يذكرنا بعودته في كل لحظة. متى تنتهي قصة القوة، متى تتوقف الدولة عن كونها طرفا في الأزمة، تنطبق عليها تسويات سياسية وطائفية. الدولة تتصرف كأنها طائفة وليست هي أصل البلاد. تتعامل بحذر وطيشٍ ومصالح ومساومات. تنزع عنها هالة الاحترام لتغرق في صراعات ضيقة لا تلبث أن تطبق على أنفاسها. بدل أن تكون واحدة تتصرف بألف وجه. لا تراها حازمةً ولا محنكةً، وإذا قررت أن تحزم تنقلب إلى مجرم يقتل شعبه برصاص حي.
هشاشة، ليس الأمن ولا الوضع ولا الاستقرار. هشاشة تطلق فقط لتصف الدولة التي تسكن البلاد. هشاشة تجعلها تنهار أمام أي ريح تعصف، لتختبأ منها تحت كومة قش لا تلبث أن يبعثرها الهواء. قررت أن تتصرف بهشاشة، وتحكم بهشاشة وتتنفس بهشاشة. ليس الوضع هو الهش بل الدولة من رأسها إلى أخمص قدميها إلى جيشها من تلتصق بها صفة الهشاشة.

Advertisements