حرب الشوارع

Posted on مايو 16, 2012

0


يخطف رجل دينٍ مسلم راهبًا مسيحيًا اقتصاصًا لفرار ابنته إلى ديرٍ وتخليها عن الإسلام لصالح المسيحية، حلّت القضية والراهب الذي اتّهم بممارسة شعوذةٍ على الفتاة لإقناعها بالنصرانية أطلق سراحه وأعيدت الفتاة إلى أهلها وأعلنت أنّ كلّ ما قامت به من هروبٍ وتغيير لدينها كان نابعًا من صميم إرادتها.
تقوم طرابلس ولا تقعد لثلاثة أيام، قنّاصون وميليشياتٌ وأطفالٌ يحملون السلاح. إعلانٌ لإمارةٍ ورياح انشقاق تعصف بشمال البلاد. السلاح كاللعبة بين أيدي هؤلاء. سلفيون يحاولون نقل معركةٍ بدأت تلوح على أرض الشام إلى جبال لبنان. باخرةٌ مليئةٌ بالعتاد كانت موّجهةً لهم. وكالعادة في لبنان، يحاول الجميع لملمة فضائحهم والتستر خلف الوقت كعاملٍ أكيدٍ لانفجار الأوضاع. لا يد من حديدٍ تضرب فتنزع السلاح من أيادي عشوائية، لا عملية طوارئ تساهم في حل الأوضاع بحكمةٍ وروية، يطمر البلد عاره ويختبأ، فنزع السلاح من طرفٍ قبل أن يكبر ويتمدد يخالف الألعاب السياسية.
الشارع يريد، الشارع يفعل، الشارع يفلت من أيدي السياسي ليتحوّل إلى جبهة معارك. الجندي ينتظر أوامر ضابطٍ يأتمر بمسؤولٍ ما همّه إن احترق البيت أو ساد فيه الخراب. فالمسؤول ذاك له ألف بلدٍ يستقبله، والشارع وحده لا يعرف أنّ الأرض التي ينتمي إليها هي قدره الأول والأخير.
يحتقن الشارع، يملأ رأسه بتفاهاتٍ عن هجومٍ وشيك. أو يحاول أن ينهض كقوةٍ تحكم في المزرعة الكبيرة. يريد الشارع أن يكون رقمًا صعبًا لا صفرًا يحتل شمال العدد. الشارع يظنّ أن ما يقوم به هو الصحيح، لا يريد أن يتآلف مع غيره من الشوارع. كلّ شارعٍ يودّ أن يكون الأقوى والمتحكم في البلاد. لا يهمّه إنّ أعاد عقارب الساعة إلى الوراء. لا يهمّه مظاهر الخطف والقتل على الهوية والانقسام. الشارع يرى نفسه جميلًا وهو يرتدي حلّة الميليشيات، يرى نفسه قويًا إن تحوّل إلى آلة دمار.
كيف يمكن لشعبٍ عاش حربًا أهلية مرّة أن يعيد الكرّة. كيف يمكن له أن يفكّر حتّى ولو للحظةٍ بملامح قاسيةٍ تسود البلاد. الجيل الذي قاتل لم يعلّم أولاده التسامح أو السلام، الجيل الذي قاتل تقوقع على نفسه وظلّ يهرب إلى الخلف حتّى وصل إلى نقطة السبعين وقرّر لأولاده وأحفاده أن يجرّبوا ما جربّه من ظلام.
الكلام عن حربٍ أهلية ليس جميلًا، وليس ناضجًا، ولا يمكن إلّا أن يوصف بالعار. حربّ أهليةٌ بين مسيحي ومسلمٍ، أو بين سنيّ وشيعيٍ لن تكون إلّا ثلمًا آخر يشقّ ظهرنا المحدودب أصلًا من ثقل الزمان. لا يمكن للكلام أن يكون جادًا، لا يمكن لهذه الأفواه وتلك الصور أن تظلّ تأتينا كقدرٍ ما له من فرار. الحرب ليست نزهة، وليست قرارًا يتخذّ من قبل شارعٍ من الشوارع، ولا هي لعبةّ تنتهي بكلمة “game over” ويعود كلّ بعدها إلى مكانه. لماذا علينا أن نخوض القتال، ونملأ شوارعنا بجثثٍ بريئةٍ ذنبها الوحيد أنّها تنتمي لشارعٍ آخر، لماذا علينا أن نمارس القتل للوصول إلى اتّفاقٍ بعدها يلزمنا بوقف النزال.
ليس الشارع من يشعل الحرب، وحده ذاك الجالس على كرسيه الوثير وبيده سيكارٌ ينفخ منه الدخان على البلاد. يعرف أنّ لا رصاصة طائشةٌ ستطاله، يعرف أنّ أولاده بأمان، يتابعون حياتهم الطبيعية باعتياديةٍ تفوق اللازم، ووحدنا نحن من قدّر له أن يكون الشارع، من يدفع ثمن ألعابٍ يظنّ المسؤول أنّها تحقّق مآربه، لحمًا ودماء. نحن من يفقد الحياة والمستقبل ويعود مئة عامٍ إلى الوراء. وحده المسؤول من يقرر إشعال الشارع، لكنّ الشارع يمكنه أن يخذل ذاك الرجل الذي لا يهتمّ إلّا بنفسه ومصالحه وأصواته الانتخابية، يمكن للشارع أن يخذله ويمتنع عن الاشتعال.

Advertisements