فلسطين المستقبل… الفلسطيني الإنسان

Posted on مايو 15, 2012

0


” لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب سيدخلون “إسرائيل” أفواجا من كل صوب لكني عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن بإستطاعتنا فعل مانشاء فهذه أمة نائمة.”
لم تكذب غولدا مائير عندما أطلقت هذه الكلمات. أربعٌ وستون عامًا وفلسطين مازالت ترزح تحت نير الاحتلال. اللاجئون مازالوا يحلمون، والشعب لم يمل بعد تصديق وعد الأرض أنّها ليست لغيره. أربعٌ وستون عامًا والفلسطينيون يقاتلون ويقتلون ويعتقلون، آلة إسرائيل تهدم ثم تجرف ثمّ تتوسع، ووعود الدولتين المتجاورتين ليست سوى محضّ هراء. هذه البلاد لواحد، أما لهم أو لنا. لا يمكن أن يكون في البيت شعبين وفي عقيدة أحدهما إيمانٌ بضرورة تصفية الآخر.
أربعٌ وستون عامًا ونحن نتذكّر النكسة والنكبة، ونمني أنفسنا بانتصاراتٍ صغيرة، نتقاتل فيما بيننا، نتقاتل مع عدوّنا، تلاحقنا القضية كعبإٍ حينًا وتمدّنا بالعزيمة في حينٍ آخر.
نحن بحاجةٍ إلى جلد الذات، طوال هذه السنين، لم تتضخّم القضية بل هي تصغر وتصغر. تتلاشى حبيبات التراب التّي نطالب بها، تصغر مدننا وقرانا، تتراخى عزيمة البعض في انتظار الوعد المفعول. تكبر في رؤوسنا أحلامٌ عن تلك البلاد، وتتقلص في واقعها على سطح الحقيقة. يتحوّل الفلسطيني إلى قنبلةٍ موقوتة، تنفجر لحاجة هذا ومصالح ذاك، ننزع عنه صفته الإنسانية، فهو كائنٌ تعوّد الموت، أصلًا هو من يستغرب البقاء على قيد الحياة. لا نفكّر فيه، نفكّر بفلسطين كأحرفٍ ملتصقةٍ ببعضها لتشكّل خارطة جرحٍ مفتوح، يستمتع الجميع في تشويهه، إعلامًا، حكّامًا، وحتّى شعوب. لم نفكّر بالفلسطينيين إلّا كمقاومين، كأطفال حجارة، كمعتقلين في زنازين إسرائيل أو كامرأة فاجئها المخاض على معبرٍ فأنجبت طفلها هناك خلف متاريس العسكر وبين صيحات الواقفين وتململ القاعدين. نفكّر بالفلسطينيين فقط بين الخنادق، يحملون أرواحهم على أكفّهم ويمضون إلى مصيرهم بطمأنينة.
الفلسطيني الذي يريد أن يتفاهم مع الحياة نعدّه خائنًا، أو ذاك الذي يرفض أن يستسلم لقناعة الدم الرخيص نسمه بالعار وبقلّة الحياء. أنا اليوم أريد أن أفهم الفلسطيني قبل فلسطين، أريد أن أعرف ذلك الشعب الذي عاكسته الحياة، من أكثر من جيلين والموت يعرف كيف يلتقط جسده، يتفنن في طريقة لفظه للحياة. الفلسطيني كفلسطين يريد أن يتحرّر، تلك النظرة التي تجعل منه شعبًا مستضعفًا غارقًا في عبأ احتلالات، احتلال المسؤول للدولة، واحتلال العدو للأرض والإنسان. بعد معركة الأمعاء الخاوية التي قادها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية وتكلّلت بالانتصار على العنصرية والاضطهاد والإرهاب الصهيوني، لا بدّ أن نبدأ بالتفكير بالفلسطيني، ليس ككائنٍ يحمل دمًا أرخص من دمنا، أو روحًا لا تستحقّ أن تحيا، أو معاكسًا ومشاغبًا وصاحب مشكلات بل بالفلسطيني كإنسان. بالفلسطيني الذي يحلم كما يحلم أي بشريّ يسكن وجه الأرض. الفلسطيني الذي يرغب بأن يعيش بهدوءٍ وسلام، أن ينشأ عائلةً لا تنتظر لمنزلها أن يُهدم فوق الرؤوس. الفلسطيني الذي لا يجب أن يكون كبش المحرقة دومًا، ومسدّد ثمن الفروقات السياسية النتنة بين الدول القريبة والبعيدة. الفلسطيني الإنسان، الذي لم يعد قادرًا على تحمّل أمّةٍ نائمة، ترى في حقّه عليها مجرد كلمات وذكرياتٍ وبعد صورٍ تزينها الكوفية. الأمّة النائمة التي لم تستيقظ يوم أحرقت إسرائيل مسجدها الأقصى، ولا استيقظت والرصاص يحزّ الأنحار ويأخذ أسرًا بأكملها تحت تراب الأرض أو في غياهب النسيان، ولا استيقظت يوم جرفت الدبابات البشر والحجر، ولا يوم دنّس الصهيوني طهارة الأرض الحرّة، ولا اهتزّ جفنها يوم كانت إسرائيل تدكّ غزّة بالطائرات وتدفن تحت الأنقاض جثث الأطفال والرضّع، وما صرخت بأعلى صوتها يوم رأت رجالًا خلف قضبان الاحتلال يذوبون لحمًا وعظمًا.
هذه الأرض ضاقت بالأمّة النائمة أو المتأرجحة في سباتها بين وعيٍّ ولا وعيٍّ يقرّر مصير بلادٍ وعباد، هذه الأرض ضاقت بنا بخدرنا الذي لا يعرف كيف ينتهي. نظلّ نحيي ذكراها وهي لا تريد أن تكون محل ذكريات، هي مستقبلٌ فقط، لا ماضٍ تريد لها ولا حاضرٌ أرعن يكاد يطبق على ما تبقّى لها من حياة. فلسطين المستقبل، فلسطين النصر، لا ذكرى لنكبةٍ ولا لنكسةٍ ولا لاحتلال.

Advertisements