لو يسمع العالم

Posted on مايو 14, 2012

2


كأنّكم على كوكبٍ آخر، يحقّق إضرابكم عن الطعام رقمًا قياسيًا، يعترف بكم كتاب غينيس، يسجلّكم بين دفتيه كإنجازٍ جديدٍ لبشر. ضجّةٌ افتراضيةٌ لا أكثر. أهلكم ينتظرون خبرًا يعلن رحيلكم عن حياةٍ لا تستأهلكم. إسرائيل صامتة لا تقول أنّ من في سجونها صاروا عرضةً لموتٍ محتّم، أميركا ودول الديموقراطية الغربية ساكتون أيضًا، لا يريدون لشيءٍ أن يظهر إلى السطح ويفضح حيوانية الكيان الغاصب. لو كان كلّ أولئك الأسرى مجرد أسير إسرائيلي لا غير لهبّت الأمم بمن فيها للتنديد بالإرهاب الفلسطيني، لكن من يذوبون في السجون اليوم ليسوا سوى أسرى فلسطينين. مجرّدين من الحقوق والذاكرة. يعتقلون بعشوائية ولا يخضعون لمحاكمة، ينساهم الاحتلال في الزنازين، لا يخضعون لأيّ شروطٍ صحيّةٍ أو إنسانية.
حتّى الحاكم والرئيس العربي لم يلفته هذا الإضراب الذي طال. ففي سجونه هو أقسى من الإسرائيلي، فكرٌ صهيونيٌّ قد لا يرتبط فقط باليهودي بل تراه يلفّ المنطقة بأشملها. يجمع تحت لواءه بلادً عربية أقسى على شعبها من عدوّها. مضربون عن الطعام حتّى انبلاج الحرية. لكن ما لهذه الحرية لا تعرف شمسها من سطوع، أحرقنا أنفسنا ولم يسمعنا العالم، انقطع أسرانا عن الطعام، والأرض كلّها ما زالت ممتنعةً عن الكلام، كأنّ أجسادنا ليست لنا، كأنّ أرواحنا مجرد ثمنٍ بخسٍ لمخطاطاتهم الحمقاء.
العالم كلّه تحوّل إلى كتلةٍ من القسوة، العالم كلّه لا يهمّه من يموت في السجون، يعتبرون أنّ الأرض تنقص إرهابًا لا أكثر. كيف لنا أن نحرّك العالم، أن نقنعه أنّنا نعيش على نفس الأرض. نتنفس من نفس الهواء. الأسرى المحتضرون في السجون بشرٌ طبيعيون، يملكون ملامح آدامية. لهم مشاعر وأحاسيس، يفرحون ويضحكون ويحزنون. يعيشون على أمل أن يروا من ينتظرهم خارجًا. يقايضون أمعائهم الخاوية بملامح حرية.
سبعون يومًا أو أكثر. ولم تشتد حملة التضامن معكم إلّا في الأسابيع الأخيرة. في الوقت الذي خارت فيه قوتكم، تململت القوة فينا. كأنّنا انتظرنا موتكم حتّى ينفخ في نفوسنا بعضًا من حياة. ربّما لو كنتم نجوم غناءٍ، أو بين أيديكم تكمن موهبةً ما لكنّا تتبعنا أخباركم. ربّما لو تحملون بين ثناياكم مهزلةً مضحكةً أو تنفثون كلامًا تقسيميًا أو تحريضيًا، لأغرقت كلّ الآذان بقصصٍ عنكم.
لكنّكم لا تقدّمون لنا التسلية والترفيه الذي أدمنّا عليه. أنتم واقعٌ جافٌ وقاسٍ، حقيقةٌ مرّة كان لزامًا علينا أن نعترّف بها وإلّا متنا بعارنا المفضوح من جيلٍ إلى جيل.

Advertisements