لا أريد أن أتخرّج

Posted on مايو 8, 2012

0


بعد كلّ هذه السنوات تذكّرتنا كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، قررت أن تخّرجنا بالجملة من صرحها التعليمي العال. الجامعة المحترمة رأت في أن تخرّج كلّ دفعةٍ من طلّابها على حدى أمرًا يستلزم إهدار المال العام. جمعت السنوات الخمس الأخيرة بحفل تخرّجٍ واحد وأجبرت الجميع على حضوره، ساومت على قبعّةٍ وحضورٍ ودفع رسومٍ بالشهادة أو لا شهادة. حتّى أنّها لم تتكلّف عناء إخبار طلّابها، أنا من أين علمت، علمت من الجرائد ومواقع الإنترنت وانتشار فضيحة الكلية التي تساوم الطلّاب على شهاداتهم وهي حقٌّ بسيطٌ من حقوق التحاقهم بالدراسة. وكأنّهم لم يكفِ هؤلاء الطلّاب تحمّل تلك الكلية لثلاث سنواتٍ متواصلة، تحمّل تخلّفها المستمر، بنيانها الأقرب لعمارةٍ سكنية، سوء الخدمات فيها وأسوء ما فيها مناهجها التّي تعود للعام 1970. كلية الإعلام بوقعها القوي على الأذن لم يكن يصدر فيها دوريةٌ واحدة أو نشرةٌ أخبارية تعبّر عن هموم الطلّاب الكثيرة. ولا حتّى فيها استوديو إذاعي بسيبط يكون بأمرة طلّابها وقادرٌ على إشعارهم بأنّهم ينتمون إلى عصر الصوت والصورة. الصدمة التّي تأتيك فور دخولك إلى الكلية تلاحقك كلعنةٍ حتّى تخرجّك منها. تتسائل عن جدوى ما تفعله، عن كيفية منافسة كليات الجامعات الخاصّة الباقية بالعتاد القليل الذي تمنحك أياه كلية وطنك. رّبّما كان للرسم البسيط الذي تدفعه لقاء نيلك الشهادة الجامعية نقمةً عليك، فالأساتذة يهتّونك به، والجامعة كلّها تعتبر أنّ ما تقدّمه هو فائضُ بالنسبة لما تتلقاه. كل الطلّاب يحلمون بحفل تخرّج يليق بالأعوام التّي ضحّوا بها، كلّ الطلاب يرغبون بكليةٍ محترمةٍ تكون مناهجها من روح العصر لا آتيةٍ من زمن الاستعمار وما قبل التاريخ. الكلية التي تكثر فيها الوساطات، وتحدّد لكل طرفٍ في البلاد كمية من الطلاب، الكلية التي ينجح فيها أشخاصٌ قد لا تراهم طوال عامٍ دراسي، الكلية التي إن درست أو لم تدرس فيها فإنّ علامتك تأتي من بنات أفكار من يلقّنونك المقرّرات. الكلية التي يرفض الجميع بذل جهدٍ واضحٍ في إصلاحها، يرونها تموت، وهم مصّرون على سحبها إلى القبر. لا تنافس إلّا بالواسطة ولا تحاجج إلّا بالمحسوبية. الكلية التّي ليست سوى نموذجٍ مصغر عن السياسات السائدة في البلد. كلّ الكلام فيها عن إصلاح وتطور بالمنهاج محض هراء، المهم أن أساتذتنا تعلموا بفرنسا، واستأجروا استديوهات بفرنسا، وكل فترة يذهبون لحضور مؤتمر بفرنسا، أما عن الطلاب فإنك ستجدهم مشتاقون لساعةٍ تغيب عنها محاضرة مملة، أو صوتٌ خارجٌ من أعماق الزمان أو كلامٌ عن الذكريات والأحلام. لا أريد أن أتخرّج، لا أريد أن أنال تلك الشهادة السخيفة، لا أريد أن أتأكد أنّني أحمل شهادةً من كلية الإعلام، فليكن مجرد كابوسٍ مخيف. لا أريد أن ألبس ذلك الثوب السخيف وتلك القبعة الأسخف وأسمع لكلامٍ فارغٍ يلقيه عليّ وزيرٌ أو مديرٌ يظنّ أنّه يخرّج شيئًا للمجتمع، وهو لا يعرف أنّ من يخرّجهم ليسوا سوى كائناتٍ معقدّةٍ مصدومةٍ من أيامٍ جامعية ظنّت أنّها تصنع بها حياتها لكنّها اكتشفت مؤخرًا أنّها لم تكن تحفر بها إلّا قبرًا لأحلامها. لا أريد أن أتخرّج، خذوا الشهادة واغمروها بماء هذا البلد الآسن، ثمّ اشربوا حسائها، وكفى.

Advertisements