لماذا تكرهنا الدولة؟

Posted on مايو 7, 2012

0


حاولت أن أجد خيطًا رفيعًا يجمعني بها. أردت أن أعرف الإجابة عن سؤالٍ كان يقضّ مضجعي. لم تظهر الدولة في حياتي إلّا كشيءٍ يستحقّ العداء. مذ كنت طفلةً صغيرة، لم تكن الدولة ذلك الحضن الدافئ الذي نركض إليه. لم تدافع عنّا يومًا واستسلمت لفكرة احتلال جنوبها دون عناء. الدولة هي رمزٌ للسرقة والنهب والفساد، لم تكن شيئًا يستحقّ أن تصبر لأجله، لترى إن كان سيتمخضّ من كلّ هذا العذاب زمنٌ جميلٌ نرى فيه مستقبلنا. كان الشعب ومازال الضحية الأولى للدولة، بطريقة مباشرةٍ أو بغيرها. عبر حكوماتها ومسئوليها أو عبر رجالٍ استقووا بها ليصبحوا ميلشياتها.
لو سألت أيّ أحد في لبنان عن الدولة، سيخبرك بأنّها غارقةٌ بفسادها وملفاتها التي لا تنتهي. تدوس الشعب ليبقى على رأسها حكّامٌ لا يهمّهم في الحياة غير مصالح شخصيةٍ وجيوبٌ تتقيأ مالًا قبل الرحيل عن الكرسي. الدولة وكرٌ أسودٌ يضمن الجميع عدم تحوّله إلى مكانٍ يستأهل العيش. في كلّ زمنٍ لها ثأرٌ مع أحد. لا تحاسب ولا تسأل في البداية، لكنّها تسارع إلى رمي رصاصٍ حيٍّ كطريقةٍ أكيدة لفضّ النزاع.
الدولة في لبنان تقتل، وبكلّ وقاحةٍ أيضًا. ترى في الأمر سهولةً أكبر من القبض على المجرم أو المخالف. تقتل لأنّها موقنةٌ أنّ حياة شعبها لا تساوي شيئًا أمام بقائها واستمرارها. ترى في قطف الأرواح وسيلةً تعرف دومًا أنّ أحدًا لن يفتح فمه ويطالب بالمحاسبة. الناس في لبنان يموتون، لكنّ أحدًا لا يعرف لماذا، وإذا خطر لشخصٍ ما فتح تحقيقٍ فإنّ الدفاتر التي تُفتح لا تعرف من نهاية، تبقى عالقةً عند مسؤولٍ أو شخصيةٍ نافذة لن يقبل أي أحدٍ فكرة استدعائها للتحقيق.
وحده المواطن الفقير الذي لا يملك ظهرًا يسنده تقع عليه كلّ أعباء الدولة. من ضرائب وفواتير تمتصّها منه دون رحمة. يهمّها أن تبقيه مسلوب القوى حتّى لا يقدر على الحراك. لا ترى فيه شيئًا يهدّدها، دمّه سائلٌ مصبوغٌ بالأحمر، روحه لا تستحقّ أيّ عناءٍ منها لكي تبقيه على قيد الحياة. لا يهمّها إن سبّبت بانتحاره أو هي قررت إطلاق الرصاص. دومًا يعيد الزمن نفسه كصورةٍ منسوخة، دولةٌ تطلق النار رصاصًّا حيًّا على الهدف المتحرك وترديه هو وعائلته وجيرانه وأهل ضيعته، لا يهم مادامت قد اقتصّت من المطلوب.
يهمّها أن تقتل الصغير، ذلك المواطن الذي يعيث في الأرض فساد، ذلك الرجل الذي يسرق لكي يعيش كهرباءً وماء. لكن الكبير المحشو بحفنات المال المسروق من الشعب لا يعنيها، ذلك المسؤول المهترئ من الفساد تراه ثروةً وطنية، لن تطلق عليه النار لن ترديه من أجل سرقاتٍ بسيطة لا تهدّد المصلحة العامة بل تبيدها عن بكرة أبيها. هي، أي الدولة، لن تقتل الوزير والنائب والمدير المنخور بالمال الحرام، هي لن تقتل كل هؤلاء، بل ستكتفي بمن تجدهم يطالبون ولا يملّون الكلام، يحاولون سرقة تيارٍ كهربائي كي ينيروا به عتمة الحياة، أو أولئك الذين يبنون بيتًا على أرض مشاع، أو آخرون يمارسون التهريب وبيع الممنوعات.
الدولة لا تعرف أن تقتل إلّا هؤلاء، تقتل الصغير والفقير والضئيل ومن لن يطالب أيّ أحدٍ بمحكمةٍ تكشف حقيقة ما جرى وتفضح المجرم الذي يسكن عقر الدار. الدولة لن تقتل الكبير بل ستكتفي بالمواطن الصغير، وحده قد يشبع نهمها الذي لا ينتهي للاقتصاص من أصحاب الجريمة وتطبيق العقاب.

Advertisements