العسكر إذا طغى

Posted on مايو 6, 2012

0


يرتدي صاحبنا البزّة العسكرية ويمضي. ساعة تطئ قدميه الأرض خارجًا يتحوّل إلى وحشٍ ضارٍ. يرى في نفسه إلهً متجسدًا لمعاقبة كلّ من يخالف توقّعاته. يستمد قوته من بذلته، يصبح جسده كرة نارٍ تقذف بحقدها من يشاء. يتحوّل إلى وحشٍ صغير، يكبر كلّما سطعت نجمةٌ في سماه. العسكري مهما اختلفت بزّته يمثّل دورًا واحدًا، على الأغلب ينحو نحو التسلّط واستغلال البزّة لمآربٍ ليست بعيدةً عن الشخصية.
كأنّ البزّة التي يرتديها العسكري فيها سحرٌ ما. تحوّله من إنسانٍ بشرٍ يشعر بمن حوله إلى آلةٍ عمياء. عندما يرتدي البزّة تتفجّر من صورته ينابيع من الحقد والعنجهية، يعتقد أنّه بات مصدرًا لقوّةٍ ولو كانت ضئيلة، يمارسها على من يقعون ضمن دائرته من المستضعفين الذين يخشون هيبة البزّة، والخوف من تبعاتها. قد يطلق النار لأنّ بدلته المرقطة تآمره بذلك، قد يعذّب، قد يقتل، لا يهمّه كلّ ذلك مادام كلّ ما يفعله في حدود ما تمليه عليه نفسه المتّحدة مع شخصيته العسكرية التي لا تقهر.
لا يجوز للعسكر أن يتمرغّ بالأرض، لا يجوز له أن يسقط أمام حفنةٍ من ناسٍ عزّل. يحاول بكل ما يملك من بطشٍ وقوةٍ أن يحافظ على صورةٍ مرعبةٍ في نظر المواطنين والبائسين على حدٍّ سواء، كل من يقدر على كسر رقابهم لا يخشاهم. كلّ من يعرف أنّهم لا يملكون رد الصاع صاعين لا يتوانى عن دوسهم.
العسكر في مصر حلّ محل مبارك، كفرعونٍ آخر جثم على صدور الشعب. لا يهم كم قتيلٌ قد يذهب منهم، لا يهم إن كان الوطن على حافة هاوية أو على شفا ارتفاع، المهم أن لا يفقد العسكر من صلاحياته الواسعة التي تجعله آلهًا له اليد الطولى في تقرير المصير.
الجندي الضئيل قي قلب الآلة العسكرية الكبرى يبدو كدمية متينة الصنع تحركها أصابع لأيدي تعلوه رتبةً وشئنا. الجندي ينفّذ من دون أن يسأل. كما يأتيه الأمر العسكري يترجمه في ساحة معركةٍ أعلنها هو وحده. الجندي في الميدان يدافع عن مبادئه العسكرية من دون أن يسأل إن كانت مشتقّةً من روح شعبه أو وطنه، إذا خالف ما هو مطلوبٌ منه تحوّل إلى خائنٍ يجوز عليه أشدّ أنواع العقاب.
الجندي الضئيل يظنّ أنّه لن يقدر على تغيير المعادلة. كيف له أن يتخلى عن موقعٍ منحته أيّاه بزّةٌ عسكرية من أجل شعاراتٍ بالية. الجندي الضئيل يستلذّ بالتعذيب ليثبت ولائه للروابط العسكرية، يمارس أي شيءٍ ولو أبعده عن إنسانيته قليلًا من أجل أن يحفظ ما وصل إليه من مراتب. تلك البزّة تحوّله إلى شخصٍ غريبٍ وبعيدٍ في آن، من قوّته يعتقد أنّه له الحقّ في أن يقرّر مصائر العباد.
سجينٌ يمني يقضي تحت التعذيب على أيدي رجال شرطة سعوديين، عسكرٌ بحرانيٌ يحمي البلطجية والمتآمرين، جنودٌ مصريون لا يخجلون من انتهاك حرمة نساءٍ مصرياتٍ بأوهن الحجج ولا يهابون زجّ كلّ من لا يعجبهم بشخصّه وأفكاره خلف القضبان، رجال أمنٍ يمنيون وتونسيون وليبيون وكل جندي عربي يصطدم بشعبه، يقتل ويقتل من دون أن ينظر ولو لدقيقةٍ لما خلّفه ورائه. هكذا يكبر الوحش في داخل كل عسكري ليطغى على أرض كل البلاد، الأمانة التي حمّلها الشعب له تُرمى أمام أول امتحان، هو ليس حامٍ لهم، ولا مدافعٌ عن أمنٍ وحده من يخرقه، هو أمينٌ فقط على حسن تنفيذ أهدافٍ وضعها عقل جندي مثله يفوقه سلطةً وقوة ويرى في نفسه خشبة خلاصٍ وحيدة برأيه ستقود الأرض وساكنيها إلى برٍّ يعرفه هو وحده دون عناء.

Advertisements