وحدكم من يستحقّ طعم الحياة

Posted on مايو 5, 2012

0


لن أكتب إلّا عنكم، وحدكم من يستأهل أن نتحدّث عنه منذ الصباح. وحدكم من يجب أن لا نتناسى ذكرهم ونغفل عن مقاومتهم الجديدة في وجه الأعداء. أنتم وحدكم من تحيون الآن، بأمعائكم الخاوية وأجسادكم النحيلة وقدراتكم التّي تفقدونها رويدًا رويدًا، علّ العالم ينظر إليكم، علّ حاكمٌ من حكّامنا الأشقياء تخطر له فكرة الصيام عن الطعام تضامنًا معكم وتعجيلًا للإفراج عنكم. أنتم الأحياء ونحن من يتجوّل في عالم الأموات، أنتم من خلف قضبان زنازينكم التي أطبقت على أنفاسكم كما أطبقت أوطاننا على أرواحنا تثبتون أنّ المقاومة دربُ لا ينتهي، أنّ المقاومة هي إكسير حياة.


كلّ ما في البلاد يسير عكس ما نتوّقع إلّا أنتم. ثورتكم الصامتة الهادئة التي أحدثت زلزالًا في أعماقنا لم تهدأ بعد. جميلةٌ هي تلك الثورة رغم حجم العذاب والآلام، جميلةٌ لأنّها لم تقتل أحدًا ولم تدمّر بلدًا، بل أعادت إحياء الرمق الأخير في جسد القضية. هذه الثورة أعادت روح فلسطين، بثّت بعض الأمل في نفوس اعتقدت أنّ الإسرائيلي شخصٌ لا يُهزم. وإذ به يصطدم لا بحجارةٍ ولا بصواريخ ولا بطلقات رصاص، بل بأمعاء خاوية تفرض عليه الرضوخ ولو على مضض لمطالب الأسرى والمعتقلين الفلسطينين الأشداء.
سأكتب عنكم لأنّني لا أملك إلّا أن أكتب كوسيلةٍ للتكفير عن ذنبي بحقّكم. سأكتب لأنّني أخجل منكم. نحن الجالسون في بيوتنا برخاء، لا نملك حتّى أن ننقطع عن الشرب والطعام لساعات، لا نملك أسلوب ضغطٍ لنحرّر أنفسنا فكيف إذا رغبنا بتحريركم. لا شيء قد يشفع لنا، لم نجرّب وسيلةً واحدةً للوقوف إلى جانبكم، لا يحقّ لنا أن نفرح إن أطلقوا سراحكم، ولا يكفي أبدًا تضامننا معكم. شيءّ آعظم من التضامن يجب أن يولد، لستم مجرد إنسانٍ ينتمي إلى كوكبنا، بل أنتم من أصل الأرض التي هي أرضنا.
لا نريد أن تموتوا من الجوع حتّى تُستفزّ كرامتنا، لا أريد أن أراكم أجسادًا نحيلةً ممددةً على سريرٍ في مشفى وبرقيات التبريك تنهال عليكم، وأسمائكم وصوركم تصبح شعاراتنا الوطنية. لا أريد لذلك أن يحدث. أريد أن تكفّوا في نظري عن كونكم كائناتٍ يجب أن تضّحي بأغلى ما عندها، أريد أن نصبح سواسيةً معكم، كما تجوعون نجوع، كما تتلقون رصاصةً بصدوركم العارية أرغب في أن نتصدّى معكم لكل تلك الهمجية الإسرائيلية.
أنتم الأحياء ونحن الأموات، أنتم من تسيرون على نهج سليم، تعرفون عدوّكم، وتعرفون أيّ أساليب تكسبون بها النصر ولو من صميم انتكاسة. تعرفون أنّ المعركة لا يمكن أن تنتهي إلّا لصالحكم، ترفضون أيّ مساومةٍ عليكم، لستم شيئًا يُعرض للمزيد العلني، أنتم خارج معادلات السلطة ومناوشات الأفرقاء. أنتم خارج هذا كلّه، تكتبون بأيديكم سجلًا جديد، تحفرون بحصى وجدتموها في عتمة سجنكم إشراقة يومٍ جديد. كما ينتصر الدم على السيف، انتصرت أمعائكم الخاوية وبطونكم الفارغة على جبروت الاحتلال. انتصرت على هيئة الأمم ودولها المتشدقة بالدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته، انتصرت تلك الأمعاء على صورهم المزيفة بأكاذيب اخترعوها هم وصدّقوها وحدهم ومعهم شعوبهم.
لا بأس أيّها الأسرى الجائعون التائقون إلى الحرية. أيقونةٌ أنتم، بشرٌ يستحقّون الحياة، لن تموتوا لأجلنا، نحن من لا يستحقّ الحياة. وحدكم من يجب أن يعيش، وحدكم من يستحقّ أن يذوق طعم النصر، ويكبر بالحرية، ويفتخر بماضيه.

Advertisements