أشرف الناس يوم صاروا بلا شرف

Posted on مايو 5, 2012

2


أؤمن بالنصر الإلهي، أؤمن برجال الله، لكنّني لم أعد أؤمن بأشرف الناس. اختفوا كأنّهم لم يكونوا. ذهبت صورتهم لتحلّ محلها صورة رجل المليشيات الذي يتجوّل بالطرقات. يبقى مستعدًا لإطلاق رصاصة قد تخترق سحابةً أو رأسًا لا فرق. بقي الناس وذهب الشرف، لم يعد هنالك من حياءٍ يسم تصرفاتهم، كأنّنا تحولنا حقًّا إلى غابةٍ كبيرة. القوي فيها يأكل الضعيف، والضعيف فيها يمشي جنب الحائط لا يطلب أكثر من السترة، حتّى صوته لن يرتفع بوجه من يهينيه ويكيل له السباب، سيلتزم الصمت ظنًّا منه أنّه يومًا ما سيأخذ بحقّه، يومًا ما ولا أحد يعرف متّى سيأتي ذلك اليوم.
أصعب الأشياء أن تتعامل مع نوعٍ من البشر لا يهاب سلطة قانون ولا سلطة سماء. يظنّ نفسه يملك قوّةً تخوله أن يركن مركبته وسط الطريق ويبدأ بالشتيمة والصراخ، يهين رجلًا مسنًا لأنّه أخطأ وطالب بما يظنّه حقّه الشرعي الذي تكفله وسائل النقل العام. يظنّ أنّ رغباته الطبيعية لا يمكن أن تضيع ما دامت يده تقبض على الزناد. هذه النوعية من البشر، لا تعرف كيف يجب أن تتعامل معها، قد تحرق الأرض بمن فيها لشهوةٍ في نفسها، يحكمها عقلٌ جماعي رهيبٌ هو أقرب لصخرةٍ لا تعرف الحراك. قد يفتعل مشكلًا، قد يسقط جرحى وقتلى، وفقًا لمنظوره الخاص بالأمور. ربّما رأيته يسحب مسدسه مهدّدًا من تجرأ وأخذ مكانًا كان يركن فيه سيارته وظنّ وحده أنّه ميراثٌ له من أبيه، لكنك لم تكن تعرف ذلك وقتّها قبل أن تأتي رصاصةٌ ترديك على سرير مشفى ربما لسنين.
أشرف الناس فقدوا شرفهم يوم قرروا التزام الصمت عن كلّ ما يجري خوفًا من اتّهامٍ بالخيانة أو رغبةً بالحفاظ على ورقةٍ رابحةٍ تؤمّن لهم جمهورًا عريض. أشرف الناس اضمحّلوا، أو مسخوا لكائناتٍ لا يعرف كنهها إلّا أنّها لا يمكن أن تخلق وطنًا يستحقّ أن يُعاش فيه. كيف حدث هذا، تحوّلنا إلى كومةٍ من البشر تأكل بعضها البعض. إن لم ينفّذ ما وضعناه في رؤوسنا أحرقنا الهشيم. لم نعد ذلك الشعب الجميل، الذي تحدّى أعتى آلةٍ عسكرية بالصبر والعنفوان، لم يعد من مكانٍ للقلب الطيب الذي يسع الجميع في حضنه. ضاقت قلوبنا وبيوتنا وحاراتنا فجأة علينا، كلّ تلك السنوات من الحرمان تحوّل إلى نهمٍ لكسب المزيد. الدولة التي قررت أن تغمض ذات نهارٍ أعينها عن معاناتنا وآلامنا انقلبت إلى عدوٍّ لنا، إذا رمت النار علينا قلنا هذا مخطّطٌ لقتلنا، إذا منعت تعميرًا عشوائيًا قلنا هذا تهديدٌ لوجودنا، إذا قررت أن تنفّذ أي دوريةٍ أو حاجزًا أمنيًا صرخنا أنّ قيامها به  ليس سوى لإرهابنا.
لا يمكن أن نبقى خارج هامش الدولة، نحمل لها في أذهاننا وعقولنا كل ذكرى سيئة، كلّ صورة قتيلٍ، أو دم جريحٍ أو طلقاتٍ لرصاصاتٍ حيّة. لا يمكن أن نبقّى خارج الدولة، ونظلّ نجاهر بأنّنا أشرف الناس، وشوارعنا تملئها الصدامات العنيفة والإشكالات المسلحة ورجالٌ عادوا بالزمن إلى حربٍ أهليةٍ واشتاقوا للغة المناطق والكنتونات.
السيد الذي قال بأنّنا أشرف الناس صار يخجل منّا، يستحي من حجم المخالفات القانونية، وإرهاب العائلات التي ترى في السلاح والعصي حلّا ضروريًا لمعالجة ما يصطدم بطريقها. لم يعد يعمى على أحدٍ هيئة الأدغال التي نعيش فيها، الناس المتزمرون دومًا من غياب القانون هم أنفسهم لا يقبلون حكم القانون عليهم. المافيات والجماعات التي تقتسم المنطقة كأرضٍ خارج حدود الزمان والمكان والدولة، يقتسمون الأرض من دون أن يعبأووا لا بحقوق البشر الساكنين هناك ولا برغباتهم، كأنّ المكان ملكٌ لهم أبًا عن جد.
الوضع سيء، والضاحية التي كانت رمزًا للإباء في زمنٍ مضى غدت أقرب إلى منطقةٍ عشوائيةٍ تكثر فيه الحوادث المخلّة بالأمن والحياة. ربّما هي صورةٌ مصغّرةٌ عمّا يحدث في البلاد، لكنّ الضاحية التي كلّ حجرٍ فيها حارة لا يمكن أن يحدث لها ما يحدث الآن، ولا يجب التزام الصمت بحقّ ما يصيبها على أيدي أشرف الناس.

Advertisements