للعامل في عيده

Posted on مايو 1, 2012

0


لم يعد الأمر يحتمل مزيدًا من الكذب، نحن لا نتذكّر العامل إلّا في الأول من أيار. ننساه على طول السنة، ونحاول تخليد ذكراه في اليوم المحدّد، كجنديٍّ مجهولٍ ينتصب على قارعة الطريق، وهو بيننا، نراه مع كلّ خطوةٍ نخطيها، نراه يجمع أوساخنا، نراه يخبز طحيننا، يزرع ما عجزت أيدينا عن المشاركة به، يبني بيتًا يظلّلنا ويبقيه هو في عراء نظرتنا إليه. لماذا نكذب، العامل مرتبطٌ لدينا بالواحد من أيار لا أكثر. نعايده في هذا النهار، ونحن نعرف أنّ آخر ما يشغل باله هو أعيادنا التافهة التي نحاول فيها إعادة الرمق إلى وجوهنا. هو يعرف أنّنا سنساه غدًا بعد يومٍ طويل من الاحتفال بعيده. يعرف أنّ ما يطالب به لن يتحقّق مادامت تلك النظرة التي تسكن عيوننا، سواء أكانت نظرة استحقارٍ وازدراء لنوعية من البشر أو نظرة إعجابٍ بأنفسننا لأنّنا استطعنا أن نتغلّب على الصورة النمطية التي رسمها المجتمع للعامل بوصفه شخصًا فاقدًا للإنسانية، يعمل كآلةٍ يتوجب عليها العطاء وكفى.

العامل هو من يعمل أضعاف العمل ولا ينال إلى فتات الأموال، العامل هو من يفقد راتبه بعد بداية الشهر بيومين، ويظلّ يحاول أن يمنح نفسه بريق أملٍ بالقدرة على الاستمرار لنهايته. العامل هو من يشبع من رغيف خبز، ولا يؤمّن بالحاجة للترفيه والترويح على النفس. حياته عبارةٌ عن مهمّة تنتهي بتحقيق هدف. العامل من رمت الشمس عليه حرارتها بقسوى تفوق قسوة الناس، من  يرى البشر فيهم صورة الخادم المطيع الذي ينفّذ ما يُطلب منه بصمت. العامل لا يتكلم، يعمل ويأكل وينام، عنقه مقبوضة بيد أربابه المسؤولين عن منحه حفنةً من أموالٍ تكون تعويضًا عليه من كمّ الذّل الذي خبره. العامل لا ينتظر حقوقًا، همّه الوحيد أن يستمر في عمله وبرضى سيّده العظيم لا أكثر، أن يساعده إذا ما احتاج إلى طبابة، أن لا يطرده من دون سببٍ مادام هو يمشي الحائط للحائط ويلا يطلب غير السترة.

من أين جاءت كلمة العبيد التي تختصر العامل في ديارنا. من قال أنّ صاحب كلّ بشرةٍ تميل إلى الاسمرار يحظى بمرتبةٍ أدنى، كلّما ازداد اسمرار بشرتك كلّما سقطت من مرتبةٍ إلى أخرى. لون وجهك يحدّد طريقة تعامل الناس معك. من يعملون عندنا ليسوا عبيدًا، من يعملون عندنا لا يستأهلون كمّ الاحتقار والازدراء الذي ينالونه. أتوا إلى هذه الأرض ولو عرفوا كيف يفكّر الناس بهم لرحلوا على عجل، لن يمنحونا فرصةً كي نصحّح نظرتنا عنهم، سيرحلون دون عودة فمن يأتي إلى مكانٍ يرى فيه الناس كائنًا لا ضير من الحراثة عليه.

“ما تعطيها وج”، “إقسي عليها”، ” العبيد هيك بدن”، هكذا نستقبل عاملةً منزليةً قرّر قدرها السيء أن تقع فريسةً بين أيدينا. نسلب عنها صفة الإنسان، الذي يتعب ويشقى، الذي يملك عواطف تجعله يومًا مقبلًا على العمل ويومًا آخر نافرًا منه. نصائح تجعل من الخادمة وحشًا يختبأ في غرفٍ لا يتجاوز عرضها وطوله الأمتار القليلة. ترعبنا الأفكار التي يزرعها الآخرون في عقولنا عن الخادمة السارقة والقاتلة والسيئة، نعكسها على كلّ غريبٍ يطئ أرضنا، كلّ غريبٍ نلصق به ما نشاء من التّهم الجاهزة، نكّبر صورته المخيفة، نجعل منه مجرمًا قد يغتصب، قد يسرق قد يسبّب لك مصيبةً عظيمة إن لم  تعرف شيئًا واحدًا وهو كيف تسوقه وتقبض بكلتا يديك على عنقه أو عنقها سواء. لكن الحقيقة تكون مخالفةً لذلك، فالعامل من يكون مملوءًا بالرعب منّا، من يخاف من أن لا يُفهم أو يُساء تقديره، هذه الحياة الجديدة بصفاتها التّي لم يعتد عليها بعد، علاقة السيد بالعبد هذا ما لم يعتد عليه إلى الآن.

العامل عامل ليس متّهمًا بشيء، نحمل في داخلنا الصورة السيئة التّي تجعل منه أول متّهم. فهو السارق والقاتل والهارب والكاذب وكلّ ما في جعبتنا من كلماتٍ نكيلها به. العامل، سواء أكان أجنبيًا غريبًا عن البلاد هو فريسةٌ لصورةٍ نمطية تجعل منه المحتاج الفقير الذي ينفّذ أيّ عملٍ من أجل الحصول على المال.

في عيد العمّال، لاشيء يُطلب منّا، لا تهنأة ودودةٌ ولا بسمةٌ نمنحها لأصحاب الأيدي القاسية. شيءٌ واحدٌ هو المطلوب أن نزيل من عقولنا تلك الصورة التي تؤطر العامل، تلك الصورة التي تجعل منه  تارةً آلة وتارةً شخصًا شريرًا. هذا هو المطلوب لا أكثر. وكلّ عيد عمّال وكلّ عاملٍ يسقي الأرض بعرق جبينه بخير.

Advertisements