المملكة لا تعتذر

Posted on أبريل 30, 2012

0


مصر اعتذرت للسعودية عن أحداث البلطجة التي طالت سفراتيها في القاهرة والسويس. فالأحداث التي جرت لا تعبّر عن العلاقة الوطيدة التي تربط البلدين. لكنّ السعودية لم تعتذر لمصر عن الاعتقال التعسفي لأحد مواطنيها فور وطوء قدمية مطار جدة في رحلةٍ لأداء مناسك العمرة.المصري اعتقل بتهمة هتك الذات الملكية أولًا، لنرى صوره بعد أيامٍ وحبوب الهلوسة والمخدرات التي اتّهم بمحاولة تهريبها تحيطه من كلّ جانب. كرامة المواطن المصري سقطت أمام هيبة الدولة القوية.
فالمملكة على ظهرها تحوي أكثر من مئة ألف مواطن مصري مقيم. يعيشون على أرضها، يقتاتون من خيراتها، تأمّن لهم فرص عملٍ ذهبيةٍ قد لا يجدوناها في بلادهم. السعودية لا تحتاج للاعتذار، لو هتكت حرمنا، وداست كرامتنا تظلّ هي صاحبة الفضل على شريحة واسعةٍ من البشر المنتمين للمنطقة العربية. فللبعض هي حلمٌ على الرغم من حدودها الاجتماعية القاسية وطبيعة مناخها الجاف.
لم تتدخل السعودية بصورةٍ واضحة في أية أزمّةٍ عصفت محيطها الهائج كالبركان. كانت دومًا تتحرك من خلف غطاء، تحارب بحجارتها التي وزّعتها على رقعة الشطرنج. مستعمراتها التي تمتصّ أي هجومٍ يحاول هتك أراضيها. المملكة تكتفي بتحريك الدمى، لا تدخل في اللعبة التي تكاد تلتهم المنطقة. هي أبعد أن تحتاج إلى الفوضى واللا استقرار.
هي عربية لكنّها لم تعرف العروبة. هي مسلمة لكن إسلامها يبقيها عضوًا بعيدًا لا يتداعى من مرض باقي الأطراف. لم تعادِ إسرائيل يومًا، لم ترفض السياسة الإرهابية للكيان الغاصب، ولم تدعم المقاومة الفلسطينية كذلك. ظلّت بعيدة عن هذا الخلاف البزنطي برأيها، لم تستخدم سلاح النفط كذريعةٍ للضغط على الهيمنة الأميركية. ولا كان لها موقفٌ واضحٌ يوم استهدفت الصواريخ الذكية شعوب العالم العربي. ولا عبّرت عن شيءٍ إذا ما سقطت المدن على يد احتلالٍ أجنبي لم تشجبه مادام لا يدقّ دارها.
بقيت المملكة بعيدةً في صورتها عن الوضع العربي المأساوي، تنمو بوتيرة سريعة، تجتاحها مشاريع العمران، ولا تهدأ على أرضها ماكينة الاقتصاد التي تدفع بالبلاد إلى الأمام بوتيدةٍ مستمرة. أرادت أن تكبر وحدها، وأن تعتلي عرش الملك العربي وحدها. أن تظلّ في الطليعة قابضةً على أعناق ما يحيطها من دولٍ تمامًا كما تقبض على أعناق البشر.
لماذا عليها أن تعتذر، هي ليست مضطرّةٍ إلى ذلك، لم يصدر يومًا عن فاهها كلامٌ يوحي بالندم على فعلٍ أو عمل. هي قوية تستطيع أن تقف لوحدها، لن تحتاج لدعمٍ مصري أو لبناني ليحل مشاكلها. بقيت تحكم بيدٍ من حديد في الداخل والخارج. يدٌ لا يمر من تحتها شيء، يدٌ تفتح خزائن قد تطعم عالمًا عربيًا بأكمله، يدٌ تقبض على موارد هي وحدها سر العظمة التي تحيط بها.
المملكة لن تعتذر، نحن من علينا أن يعتذر لها، إن اعتقلت أجنبيًا تعسفًا على أرضها، إن اعتدى أميرٌ من الأسرة الحاكمة على أمننا، إن رفضت ولو أن تستنكر جرائم يرتكبها أصدقاءها، نحن من علينا أن نعتذر منها، لا هي.

Advertisements