أطعموه بالقوّة

Posted on أبريل 29, 2012

0


اليوم حصل عبد الهادي الخواجة على زيارة عائلية، لم يعد صائمًا عن الطعام، مدّدوه على سريرٍ وغذّوا جسده الساكن بأنابيب. أطعموه بالقوّة، لم يرضخوا لعنفوانه الذي كاد يهزمهم، لم يسألوا عن حقّه في الدفاع عن نفسه، عن كرامته الإنسانية التي داسوها بكلّ ما لهم من قوّةٍ خارجيةٍ جعلت من البلاد مستعمرة مبطنةً لا تحكمها يدٌ حقيقية بل أتباع دمى.
عبد الهادي لم يخرج من السجن، لم يطلقوا سراحه من خلف القضبان، ابنته اعتقلت أيضًا لأنّها طالبت بالإفراج عنه، ظلّت تتظاهر وحدها في كل وسط طريق أو ميدان مطالبةً بخروج الوالد الإنسان، لكن أحدًا لم يسمعها، جرجروها إلى زنزانةٍ وأمروها بالاستسلام.
من أين جاءت هذه المملكة بكلّ هذا العناد، دون شفقةٍ تحبس مواطنًا ليس متهمًا لا بجرمٍ ولا بجنحةٍ أو أيّ شيءٍ يستلزم العقاب. كلّ ما فعله أنّه رفع عقيرته بالكلام، كان صوته أرفع بقليلٍ عمّا اعتادت عليه آذانهم، كان فيه حشرجة عنفوانٍ وحرية، كان فيه رفعًا لغطاء أرادوه مسدلًا على صورتهم البهية، أظهر لهم الحقيقة عاريةً أمامهم، بوقاحةٍ استفزّتهم، فأخفوه بعيدًا كي ينسى الشعب ما قاله عبد الهادي الخواجة. ” من يسرق قوت الفقراء، من غير رئيس الوزراء”.
مازال رئيس الوزراء يرتع خارجًا وعبد الهادي في قلب زنزانته ممددًا على سريرٍ لم يتمنه يومًا. ظن أنّه ينتظر أحد الحسنيين، حريةٌ من ظالمٍ أو موت على عين ظالم. لكن الظالم غيّر له كل الاحتمالات، قمعه حتّى وهو بين جدران عالمه، حبس عنه ما تبقّى له من ذرّات حرية، ورفض الخضوع لمطالب السجين. هذا الرجل لن يخرج من السجن لا حيًا ولا ميتًا. املئوا جسده بالطعام كي لا تطالبنا الدول الكبيرة بالنظر بإنسانيةٍ إلى من يسكن خلف السجن. لا أحد سيتحدّث بعد الآن عن الرجل، لن تطالب دولته المستعارة بإطلاق سراحه، فهو الآن تخطّى مراحل حرجةً ودخل عالم الاستقرار. لن تطالب هيأة أممٍ به ولا أباطرة الحرية والإنسانية هم أصلًا لم يروا الثورة في تلك الدولة ولا اقتنعوا بالتغيير فيها، الوضع هنالك أكثر من مطمئن، الحياة عادية وسباق السيارات لم يتخلف عن موعده. لم يرَ أحدٌ الثورة في البحرين فلن ننتظر من أحدٍ أن يرى الرجل الثوري.
بعد هذا يا زينب، لا أدري ماذا أقول، والدك الذي اعتصمت وحدك لأجله لا يبدو أن خروجه بات وشيكًا، والدك الذي حاول تحدّي الظالم خذله طبيبٌ ومشفى ويد حاكمٍ تقبض من حديد على عنقه وأعناق كل مواطنٍ بحراني شريف.
٧٤ يومًا كانت كافية لتعلّمنا ثمن الحرية. ٧٤ يومًا كانت كافية لتفضح قبح الوجه الذي يحكم تلك الأرض. ٧٤ يومًا كافية لنعرف أنّ الثورة مازالت هناك، لم تنطفأ شعلتها ولا غيّرت من ألوان نيرانها.
لا بأس يا زينب، فللمظلوم على الظالم يومٌ أبدًا لن يُغفل أو يُنسى.

Advertisements