لا فقراء في البلاد

Posted on أبريل 28, 2012

0


انتظرت يومين علّني أسمع عن ثورةٍ تدبّ في تلك البلاد. قلت ربّما سنسمع عن عملية إجلاء جماعيةٍ لكل من تعاطى الكذب والنفاق وأدمن وعود السياسة والاقتصاص من شعبٍ ظلّ وفيٌّ له لآخر اللحظات. وددت لو أسمع عن مسؤولين رموا أنفسهم إلى قاع البحار ندامة على الظلم الذي تمرسّوا في تأديته على كلّ فردٍ يسكن في لبنان. لا فقراء في المكان، لا طبقة عاملة تقدح طوال النهار من أجل أن تؤمّن قوت يومها وتعيش في سترة من نوائب الدهر وشقاء الزمان. لا فقراء، لو كان هنالك من جائعٍ لخرج علينا شاهرًا كل ما في جعبته اتّقاءً من تقشّفٍ يجبره عليه أهل المال والسلطان. لا فقير، ولا مسكين ولا مرضى ولا أحدٌ يشكو من علّةٍ تدفعه للخروج كالمسعور من بيته رفضًا لصمتٍ مطبقٍ يسيطر على الوضع ويمنع الحراك.
أكره ما يحصل هناك، أكره ذلك الالتزام الأعمى للشعب بحكّامه وكأنّهم آيةٌ أنزلت من السماء. أكره ذلك اللسان المقطوع والمرمي خلف أبواب الخنوع والخضوع والاستسلام. خدرٌ هنالك يطفو في الأجواء، البلد كلّه مستسلمٍ لقدرٍ يحرّكه كريحٍ تلعب بسفينةٍ من دون ربّان. البلد نائم، لا يظهر عليه تململٌ ولا حتّى هيأة استيقاظ.
سيأكلون البسكويت، لا مزاحًا، ولا ترفّعًا من طبقةٍ حاكمة تعيث فساد، بل قرارٌ صادرٌ من صميم أعماقهم، لا رغبة لهم بالثورة ولا بالتغيير ولا برمي الطاقم كلّه مواليًا كان أم معارضًا في أروقة الماضي أو خلف سجون الحساب. يأكلون البسكويت، يتّبعون حميةً تفرضها عليهم دولتهم التي ارتضوا بها ولا يريدون خلعها ولو طال الزمان، يضيئون شمعةً إن اختفت عنهم الكهرباء، يركبون حمارًا إن ارتفعت أسعار المحروقات وفي أسوء الأحوال يمارسون الجري كرياضةٍ أدخلتها حكومتهم على منهاج حياتهم لتحميهم فتك الأمراض. كلّ ما أصابهم لا بأس به، لن يضرّهم شيءٌ إن مارسوا الرياضة أو احتموا عن الخبز أو انهارت عليهم البنيان. كلّ ما يحصل فيه خيرٌ لهم، لا نفع من ثورةٍ تأجج الوضع الذي أرادوه أن يستقر ولو كان على جوعٍ أو فقرٍ أو فسادٍ أو اضطهاد.

Advertisements