في بيتنا وحشٌ صغير

Posted on أبريل 28, 2012

2


طفلٌ يجلس وحده يشاهد قناةً تلفزيونية لا يهمّها ما تزرعه في عقولٍ يانعة، بقدر ما يهمّها الحفاظ على مستوى معين من المشاهدة وعلى أن تبقى قطبًا جاذبًا لشركات الإعلان. الطفل وحده يجلس، لا أهل يراقبونه ولا عينٌ عليا تسهر على ما يمتصّه من مفاهيم وأحداث. وحده يجلس يرى ويشاهد، يصدّق كلّ ما تقدّمه له الشاشة التي للأسف بنظره هي انعكاسٌ للحقيقة. الطفل لا يعرف أنّ ما يراه خيال، الطفل لا يعرف أنّ ما يراه غير واقعي ولا يمتّ إلى الحقيقة بصلة. هو يشاهد ويصدّق ويعيد التمثيل. يريد أن يكون بطلًا خارقًا يجترح أشياء عجيبة، لا يريد مدرسة ولا صفًا، يريد لعبة وسيارة سباقٍ وحيواناتٍ يجمعها ليجول بها العالم ويتحدّى غيره من الأبطال. الطفل لا يصدّق أن ليس بإمكانه أن يطير أو يسير على الماء، لا يعرف أنّه لا وجود لوحوشٍ شريرة ولا لكائناتٍ فضائية تغزو عالمه الصغير وتهدّد حياته الآمنة.
هذا هو الطفل الذي يجلس اليوم متسمرًا أمام شاشة التلفاز، يلتقط كلّ صورةً متحركةٍ ليعكسها مشهدًا واقعيًا في حياته. الطفل مستهلكٌ وفي، تحتاجه الامبراطورية المالية لتكبر. ترى فيه عبدًا طيعًا لا يعرف أنّ براثن العبودية قد أثبتت على رقبته. الطفل هو كلّ ما تحتاجه العقول الكبيرة الشريرة لتشبع نهمها من المال والسيطرة والتربّع على عروش الاقتصاد في البلاد. لا أحد يراقب إعلامًا موجهًا لطفل، لا أحد يشاهد مسلسلات كرتونية مع أطفاله بشغفٍ صادق، لا أحد يدقّق في الألعاب التي يطلبها طفله، في البضائع التي يفضلّها دونًا عن غيرها، المهم أنّه أعارنا صمته وأراحنا من إصراره المتواصل.
قبل أيامٍ انتحر ثلاثة أطفالٍ في الجزائر شنقًا إيحاءًا من مسلسل كرتوني يدعى ” المحقق كونان”، انتحروا تزامنًا مع حلقةٍ تظهر شخصيةً قررت أن تموت من أجل أن تسنح لها فرصة العيش مرّةً أخرى لكن بحياةٍ أفضل. إذن الأطفال ظنّوا أنّهم سيعودون للحياة مرّة أخرى في اللحظة التي ينتهون فيها من حياتهم الأولى، لكن ما حصل حقيقةً هو أنّهم فارقوها نهائيًا. وقبل أيامٍ أيضًا، أقدم طفلٌ في الرابعة من عمره على قتل والده لأنّه لم يحضر له لعبة البلاي ستيشين، فأطلق رصاصات كانت كفيلةً بإنهاء حياة الأب.
هل يتحول الطفل في عالمنا إلى مسخٍ غريب. هل جاء الوقت الذي نخاف فيه من أطفالنا، فيصبحون حقًا لعنةً علينا. ألم يحن الوقت لكي ندقّق في الأفلام الكرتونية التي ندبلجها، أو في أن نملك صناعةً خاصّةً بنا لا مستوردةً أو خارجية تكون مناسبة لخيال أطفالنا لا محفّزة لهم للقيام بأعمالٍ شريرة. حان الوقت لنعرف أنّ التلفاز لا يمكن أن يكون العين الساهرة على تربية الطفل وعلى تطوّره وانتقاله عبر المراحل شتّى.
الطفل يتأثر، يتحول إلى آلة استهلاكٍ فظيعةٍ لا تضاهي تلك الموجودة في عالم الكبار. الطفل يرغب في أن يطمر نفسه بالألعاب، وأن يعيش في بيتٍ مزينٍ بالحلوى وبالشوكولا. يريد أن يحصل على كلّ ما يراه أمامه، وقنوات الأطفال لا تسمح لنفسها بأن تكون دون المستوى، تظلّ تضفي البهرجة والتزيين والصور الجميلة، تملأ عقول الأطفال بألعابها الخيالية، تظلّ تكبر الصورة حتى يمتلأ عقل الطفل الصغير بها، ويصبح اقتناءها شرطًا أساسيًا لاستمراره في الحياة، وشرطًا أساسيًا لحب والديه وكل من يحيط به.
لم يعد الطفل كائنًا وديعًا حلمه كيف يجمع ماله اليومي ليشتري طابةً يلعب بها وكلّ أطفال الحارة. لم يعد يقبل بالبسيط ويقف عند ألعابٍ تُشترى له بمناسبةٍ معينة. لم يعد في الأمر لا نظام ثوابٍ ولا عقابٍ، ولا لافتة ممنوعٍ تقف في طريقه. كل ما يراه يريده، وهذا لديه هو منتهى الكلام.
أطفال هذا الزمان، يحملون هواتف ذكية من قبل خروجهم من بطون أمهاتهم، يلعبون بألعاب ذكية، يتسمرون أمام شاشةٍ تختلف مسمياتها، في السيارة يشاهدون الدي في دي، في البيت يتنقلون بين تلفازٍ مشرّع الأبواب وإنترنت يخدعك إن ظننت أنّك تراقبه. وإينما ذهبوا يحملون معهم أجهزتهم الصغيرة التي لا تخذلهم أبدًا وتبقيهم محجوزين في عوالم لا يُعرف متى يظهر جحيمها على سطح المجتمع.

Advertisements