” لاشيء يهتك في بلادنا إلّا ذات الإنسان” جلالة الملك، سيادة الرئيس وحاشية النظام

Posted on أبريل 24, 2012

0


يخاف صاحب السلطة من خيال أصبعه، يرتعد من صبيٍّ شقيٍّ رأى الحقيقة، عرفت عيناه دون غيرها من العيون المفتوحة أنّ الملك عارٍ. الملك عارٍ، الملك لا يلبس ثوبًا، صرخ بأعلى صوته، وعندها فقط انقشعت غمامةٌ سوداء كانت قد حطّت على بصر الناس. عرفوا أنّ من يسير أمامهم ليس سوى إنسانٌ مثلهم، لا يميزه شيئٌ عنهم سوى صورةٍ أسطوريةٍ حفرت بمساعدتهم أو دونًا عن إرادتهم في عقولهم.
كلّ حكمٍ يقوم في بلادنا يجب أن يتحوّل إلى أسطورة. كلّ مملكةٍ أو دولة تقوم يجب أن تكون كألموت، قلعةٌ مسوّرةٌ من دخلها كان مفقودًا ومن خرج منها كتبت له ولادةٌ جديدة. الحاكم فيها يحكمنا بإرهاب نظامٍ يستهوي قمع البشر وتخويفهم، الحاكم فيها يرى أنّ الناس يجب أن يبقوا مخدرين تحت سيطرته، عليهم أن يقتنعوا بأنّ لا سبيل للخلاص ممكن إلّا باتّباعه، ومن يفكّر بطريقةٍ أخرى فحكم الموت جاهز لا حاجة لاستنكاره.
كلّ يومٍ يختفي ناس، يذوبون، يضمحّلون، لا أدري، أو ربّما يذهبون مع ريح النظام. يختفي ناسٌ جريمتهم الوحيدة أنّهم رأوا الملك عارٍ، كُشف غطاء الخوف والخنوع عنهم وتجرّأوا على كلامٍ لم يلفظه أحدٌ قبلهم إلّا وكان مصيره مجهول. تعجّ السجون ببشرٍ ذنبهم الوحيد أنّهم اقتنعوا بكروية الأرض وآخرون يرون في نظريتهم تلك كفرًا يستحق إزهاق الروح.
لم تعد الدول تستحي، أصلًا هي لو امتلكت حياءًا لما بقيت قائمةً طول هذه السنين ينخر الفساد أساسها ويلوك حاشيتها وهي تصرّ على موقفها من الحكم واضطهاد الشعوب. الدول العربية لم تعد تخجل، تجرجر إلى السجون كلّ من قام بعملٍ ترى فيه زعزعةً لأمنها الهش. لا تريد لأحدٍ أن يتكلم، لا تريد أن تسمع صوتًا واعيًا يطالب الجماهير بالتحرك، لا تريد من أحدٍ أن يتكلم عن شؤون الحكم النتنة، ورائحة الفساد التي تزكم النفوس، تريد فقط “شعب إذا ضرب الحذاء برأسه، صاح الحذاء بأي ذنبٍ أضرب”.
ليس في الأمر مزحة، حكومات الثورة وكلّ حكومةٍ منخورةٍ مازالت قائمةً إلى الآن لن تجازف باحتمال الطير الذي قرّر أن يحلّق خارج السرب. ستقمع، وتسجن وتقتل. لا تريد أيّ صوتٍ ينشّز المهمة التي أعدّت نفسها لها.
كلُ يومٍ تعجّ السجون بأشخاصٍ جدد تهمتهم الوحيدة فكرةٌ أو رسمٌ أو كلمة، ضاقت صفحاتنا بالتضامن مع جنود الرأي. الدولة تعتقل بألف حجّةٍ، تزجّ وتزج لا همّ لها صحة المعتقل أو إضرابه عن الطعام، أو رفضه للتجاوب مع مطالبهم. تملأ سجونها وتمضي، ووحدها إذا قررت أن تفكّ القيد كان لها ذلك أمّا إذا اقتنعت بتهديد الشخص الفرد الوحيد على بنية النظام تحبسه حتّى تخمد أنفاسه، لا تفرق معها شريعة إنسانٍ ولا ضغط دول كبيرة.
ماذا نفعل، رويدًا رويدًا تمتلأ السجون، وتفرغ الساحات. لم يعد بالإمكان ضبط الشعب بقبضة من حديد، لم يعد بالإمكان إسكات الصوت الذي علا مرّة. الفكرة مرضٌ معدٍ، والرسم والكلمة كلّها أمراضٌ إذا تفشّت بالبشر لا يفلح معها كمٌّ للأفواه ولا تغيير لهيأة الصورة.
في السجون ناسٌ أبرياء، في العقول فكرةٌ مقدّسة، على الأرض تكسّرت هالات الألوهية وظلال السماء. لا شيء يهتك إلّا حرمة الإنسان، لا شيء يُساء فهمه إلّا حرية رأيه وممارسته اليوم لحقوقه التي للقرن الحادي والعشرين مازالت تخرق دون أدنى احترام، يمسح بها، تُداس، تقطّع ثمّ تُرمى تمامًا كصاحبها خلف قضبان السجّان.
هتك الذات الإنسانية هي تهمة الدول العربية أجمع، هي تهمة الحكّام والسلطان. وللمرة الألف نقول أطلقوا سراح عبد الهادي الخواجة الأسير الجائع في دولة البحرين، أطلقوا سراح أحمد الجيزاوي المعتقل ظلمًا في السعودية، أطلقوا سراح المفكّر سلامة كيلة المسجون علي يد النظام السوري، أطلقوا سراح الإنسان العربي من سجنه الكبير الذي مازال يرزح كصخرةٍ على صدره، أعيدوا له لسانه وعقله، وكلّ فكرة. أطلقوا سراح الكلمة والصورة والرأي والأفكار. سئمنا منكم أيّها الحكّام، واللعنة الإلهية على كل من أذى إنسان.

Advertisements