أطلقوا سراح خضر سلامة وعلي فخري

Posted on أبريل 21, 2012

0


خلتها مجرد مزحة، كتلك الصورة التي كنت ترتدي فيها زيًّا أفغانيًا وتحدثنا من جبال تورا بورا. أو كتغريداتك التي تطلقها من قندهار. استلزمني الأمر أكثر من خمس دقائق كي أستوعب أنّك حقًا خلف قضبان السجن في لبنان، أنت وصديقك علي. لماذا لم أصدّق، وأنت الذي عليك أن تكتب كلّ ليلةً وصيتك وتخبّأها تحت وسادتك. ربّما خلتك كائنًا لا يمس، ربما ظننت أنّك تملك حصانةً ليست كتلك التي تحصّن الفاسدين والعملاء في ذاك البلد، حصانة المواطن الصحافي الذي لا يقوم بأكثر من عمله.
نسيت أنّك مواطنٌ جوعان، والجائعون في بلادي لا أحد يحميهم، الجائعون لا أحد ينظر إليهم في مملكة الطوائف والتشبيح، لا تنتمي لحزبٍ كي يهبّ هبّة واحدة ويطالب بالإفراج عنك. لست طائفيًا كي تنتفض عروق الطائفية وتبحث عمّن خطف ابنها ورماه خلف زنزانةٍ نتنة، تمامًا كرائحة التغيير في لبنان.
كنت تبحث عن التغيير يا خضر، تريد ربيعًا في لبنان، تريد دولةً نظيفةً جديدةً لا تحكمها المليشيات. هاكه ربيع الدولة. مزيدٌ من الاقتصاص والقمع والهمجية. مزيدٌ من التعتيم وسياسة كمّ الأفواه. هذه الدولة يأست من حالها، لن تجرّب بعد الآن جزرةً وعصا، ستخضعنا بالعصا فقط، ونحن علينا أن نقرّر إما الاستجابة وإمّا كسر العصا.
أنت تزعجهم يا خضر، تزعج هيبة الدولة اللبنانية المتزينة بالكذب والنفاق، أنت صاحب اللسان الطويل الذي تكرهه الدولة، لست نموذج المواطن الذي تطمح أن تسكنه على أرضها. لماذا عليك أن تعرّي طاقمها السياسي أمام أعين شعبها، لماذا عليك أن تفضح عجزها، وقرفها. لماذا بقلمك ترسم قباحة وجهها. وتضع الحروف على مؤامراتها التي لا تستهدف سوى ناسها.
لماذا تتحدث عن الفساد، وعن غلاء المعيشة، وعن رجلٍ صامتٍ يسكن القصر، وعن مسؤولٍ يغتسل بالأموال، وعن كهرباءٍ لا تراها العيون. لماذا تتدخّل بالشؤون الخاصّة لبلدك، وتدخل في تفاصيل لا تعنيك، لماذا لا تتغنى بطبيعته وقرب بحره من جبله. وبدل من أن تلعن الطوائف تحدّثنا عن العيش المشترك الزائف. وبدل أن تحكي عن بيروت مدينتك التي لم تعد تعرفها حدّث الشعب عن مشاريع عمران تخصص لمنطقةٍ دون أخرى؟ لماذا عليك أن تزعج الدولة والشرطة وقوى الأمن برسمٍ توسّخ به حائط المدينة، وتشوّه به جمالها الذي تتغنّى به أمام سوّاحها العرب والأجانب.
تظن أنّها إذا ارتدت قناعًا لن يُعرف وجهها الحقيقي، لا تعرف الدولة أنّها كتلةٌ من القذارة التي لا تنتهي. لا تعرف أنّها آلهةٌ للدول القبيحة التي لا تعير اهتمامًا لناسٍ يسكنون أرضها، لا تحميهم إن لم يكونوا أصحاب نفوذ وسلطةٍ وأموال. برسمك ذاك لم توسّخ حائط المدينة بل غطّيت رقعةً فيه، بقعةٌ من أموالٍ مغصوبة، بقعةٌ من سرقةٍ ونهبٍ، لست أدري.
صبيٌ مزعج هكذا تراك دولتنا العتيدة، مزعجٌ ضاقت ذرعًا من دقّه المستمر على أوتار تكرهها. لسانٌ ترغب بقصّه، ويدٌ لن تتوانى عن قطعها لو خُيّر لها.
هي ملّت منك لم تعد تقدر أن تحتمل كل هذا الكم من النقد والكلام، أنت مخرّبٌ يا خضر، مخرّبٌ للعقول الصامتة، مخرّبٌ للأجساد الساكنة، مخرّبٌ للشعب الذي طال سكونه.
سنكتب عنك يا خضر حتّى يطلقوا سراحك، سنكتب حتّى يعرفوا أنّ كلامك لم يذهب هدرًا، سنكتب حتى يملّوا وييأسوا، نحن جيشٌ من المخربين الصغار، جيشٌ من الجياع… أطلقوا سراح خضر سلامة وعلي فخري. أطلقوا سراحهم.

Advertisements
Posted in: حريّات