روبي وفاطمة.. مهزلة الدراما العربية يوم قررت أن تتكلم التركي

Posted on أبريل 17, 2012

0


لست من أنصار المسلسلات التركية المدبلجة، لا أذكر أنّني تابعت أيًا منها بإخلاصٍ يدفعك إلى التسمّر أمام شاشة التلفاز. والدراما التركية سيطرت على منطقتنا العربية، وأحكمت بشباكها على شرائح واسعة من المجتمعات التي تماهت مع أبطالها لدرجة العشق. ويعرض في الآونة الأخيرة مسلسلين على قناة الأم بي سي الأول ” فاطمة” أو بالأحرى هو” ما ذنب فاطمة غول” ويحكي عن فتاة قرويةٍ وقعت ضحية جريمة اغتصابٍ جماعية وقررت عدم الاستسلام لوضعها أو الرضوخ ومحاربة من قاموا بذلك بكل ما أوتيت من قوّة. أمّا الثاني فهو ” روبي” وهو دراما عربية مشتركة البطولة بين لبنانية وسوري ومصري، ويتحدث عن فتاةٍ من خلفية فقيرة تنتقم من خيانة حبيب عبر تحولّها إلى امرأةٍ لعوب ( هذا ما حاولت استنباطه من بعض الحلقات التي شاهدتها).

روبي ومذ كانت طفلةً صغيرة تحلم بأن تكون أميرة. ولقب أميرة الذي تحارب للوصول إليه وتغدر بأعزّ صديقاتها من أجله يكمن بالكثير من الملابس الجميلة والحياة المرفهة التي تكاد تتقيأ سلعها من كثرة ما حشيت من استهلاك. أراد العرب تقليد المسلسلات التركية، فملأوها فتيات لا يرتدين تنورةً أطول من الفخذين. ظنوا أنّ الدراما تكمن بالملابس الأنيقة والعصرية، تحدّثوا عن عائلةٍ فقيرة لكنّ وجوهها لا يعرف مسحةً من البؤس. تحدّث المسلسل عن ظروفٍ صعبة للفتيات يجعل منهن فريسةً سهلة بيد الرجال الأغنياء الطامعين بالأجساد الجميلة. المسلسل كلّه كلامٌ فارغ، حاولوا زرع القضايا فيه لتزيد قيمته، وإذ به يتحوّل إلى عملٍ دراميٍ مشوّه، بالقصّ واللصق.
دومًا القصّة ذاتها، قصّة السندريلا العربية التي لا تحلم إلّا بالأمير، ولا تبحث إلّا عن الحب. قصّة المال والجنس، والنسوة الضحايا والرجال الأشرار. ميزانيةٌ ضخمة تصرف على هكذا نوعٍ من المسلسلات التي لا ترى في مجتمعاتنا إلّا أمورًا نسجها الكتّاب وحدهم من خيوط الخيال. البنت الفقيرة التي تلتقي حب حياتها، لكن حب حياتها لا يحفظ حبّهم الأزلي فتتحوّل بين ليلةٍ وضحاها إلى ماكينةٍ لجذب الرجال وإيقاعهم في شباكها واحدًا تلو الآخر لتسقي غليل الانتقام.
هكذا إذن حياتنا، حبٌ وخيانة لا شيء أكثر. لا مجتمعات تحارب الفقر بكل ما أوتيت من قوّة لترقى عزيزةً كريمة. لا فتيات يدرسن ويتعلمن ويتعبن ليحصدن أعلى المراتب العلمية. لا مشكلة غير الحب في بلادنا. مجتعاتنا حبلى بالأزمات وليس بالمشاكل، أعبائنا تخطّت حدودها منذ زمنٍ بعيد ومسلسلاتنا مازالت عالقة في أزمنة السبعينات. لماذا لا يكون الفقير فقيرًا في المسلسل، فلا يملك وجهًا مبرجًّا على آخر طرز.
أعجبني مسلسل فاطمة. حتّى ولو كان في المسلسل الكثير من التطويل والعلك. الدراما التركية تعرف كيف ترسم مجتمعها. تعرف كيف يؤدّي الفقير دوره تمامًا كما صاحب الأموال. فاطمة التركية لم تحلم بأن تكون أميرة. أصلًا من أين جاءت هذه الكذبة التي نزرعها في عقول فتياتنا بأنّ عليهن أن يكن أميرات وينتظرن الفارس والحصان والمملكة والعيش الهنيء بسباتٍ ونبات.
فاطمة فتاةٌ بسيطة، عادية كأيّ فتاةٍ على وجه الأرض. طموحها كان في البداية لا يتجاوز منزلًا صغيرًا وعائلةً سعيدة. هكذا كانت أحلامها قبل أن يتم اغتصابها من قبل أشخاصٍ نافذين في البلاد. فاطمة لم تستسلم، لم تصمت أو تسكت، فاطمة لم تنحشر في زاوية غرفتها وتذوي من أجل عارٍ ليس لها أي ذنبٍ فيه كان قد ركبها. فاطمة انتفضت، ضاقت ذرعًا بحياتها التي فرضت عليها من بعد الجريمة. في الوقت الذي خسرت فيه كلّ شيءٍ عرفت أنّها ربحت حريتها.
حرية أن تقاوم كل يدٍ حاولت إسكاتها، حرية أن لا ترضخ بمجتمعٍ يرى في الأنثى وحدها سببًا رئيسًا لانقضاض الوحوش عليها. فاطمة لم ترتدي تنورةً قصيرة، ولا أهلكت أعيننا بكثرة ما بدّلت من فساتين وملابس، فاطمة الفقيرة ليست كروبي الفقيرة، وحدك إذا شاهدت الصورتين أمامك على التلفاز ستعرف الفرق. ستعرف أنّ الأولى حقيقة والثانية محض هلوسات. ستعرف أنّ هنالك ألف ألف فاطمةٍ في مجتمعاتنا مثّلتهم فتاةٌ تركية، وتلك العربية لم تعرف أن تمثّل غير انعكاس صورتها في المرآة.

Advertisements