أرخص من الفجل

Posted on أبريل 17, 2012

0


الصمت جريمة. إرفع صوتك، اخرج بغضب، اصرخ، طالب بحقوقك المهدورة، إسأل عن الغلاء الذي يمتصّ من دمك ليكبر هو، وتضمر أنت. اصرخ، لا شيء في لبنان يحثّك على الحياة. اصرخ لتكفّ عن كونك قبرًا متجولًا في الهواء الطلق. اصرخ لأنّ المرابطين على الدولة مغمسّين بالفساد، لأنّهم يتخمون وأنت جائع، أولادهم يدرسون في أرقى الجامعات وأولادك مرميين خلف طاولةٍ مكسورةٍ في صف مهجورٍ خرج أستاذه ليطالب بمعاشٍ لا يراه.
استيقظ أيها اللبناني من خدرك الذي طال. الناس في تلك البلاد استسلمت لقدرها بشكلٍ رهيب، الناس هناك لم تعد تفرق معها إن نامت على ضوء شمعةٍ أو اهترئت أذناها بضجيج مولدٍ يمنع طعامًا فاسدًا أصلًا من النتانة ربّما. الشعب هناك لم تعد تفرق معه إن باع أطفاله ليعيش، المهم عنده ما يكدس من أموال، كل واحدٍ فينا تحوّل إلى نموذجٍ مصغّر عن الدولة. يسرق على حساب غيره، يبيع أسوأ المنتوجات فقط ليبيع، لا يهمّه إن سممت طفلًا أو رمت أحدهم على سرير مشفى قد يجده أو يطرده سريعًا إلى حفرةٍ في الأرض وحدها قد تأويه.
الصمت جريمة، يتصرف المسؤول بما يحلو له، يثير الضجّة حول قضيةٍ ليشغل عقول الناس وإذا مرّر ما هو بحاجته نامت القضية في الأدراج لسنين. لا شيء جدّي في البلاد، حتى الموت غدى مهزلةً، ربّما أقرب لكوميديا تمثّل على الواقف، يدفن الميت الذي كانت الدولة وحدها سبب موته ويُهال عليه التراب، لينسى، ويمحى نهائيًا من الذاكرة ومن الحديث عن أسباب خروجه باكرًا من الحياة.
تكلّم، أرجوك لا تبقى صامتًا. أعلن جنونك على الوضع الذي ما عاد يحتمل. دع عينيك ترى الواقع المخيف، ارفع الغطاء عن الوطن الذي ليس سوى مزرعةٍ كبيرة. لا ضير، اعترف بالحقيقة. قل بأنّهم اشتروا صوتك بخزّان وقودٍ مليء، أو بوظيفةٍ مؤمنّة في فروع الدولة الكثيرة. اعترف بأنّك اعتدت الأمورإلى حدّ العدم، بأنّ الدولة تسرقك وأنت تسرق جارك وجارك يسرق أخيه. هي سلسلة فسادٍ تبدأ بالدولة لكنّها تنتهي بعيدًا عند آخر مواطن. محسوبية لذاك، واسطةٌ لهذا، والحياة في البلد تسير.
لم يعد هنالك من أملٍ للإصلاح، كلّ الطاقم السياسي الذي يشارك الحكم أو يسجّل النقاط على الفريق الآخر كلّهم سواء. كلّهم يبيعونك جلدًا وعظمًا، لا يهمّهم ماذا تأكل وأيّ مياهٍ تشرب وأين تعلّم أطفالك، لا يهمّهم رضاك أو عدمه، يضحكون عليك ببعض كلامٍ معسول، يكذبون، ينافقون، وأنت من بلاهتك تمشي ورائهم، تسلّم أمورك لهم، تخاف من أن يتركوك أو أنت مقتنعٌ تمامًا بأنّ بدائلهم ستكون أدهى منهم وأمر.
هكذا أنت، ترضى بالصمت ولا تتكلم. تصبر ولا تتكلم. لا تحكي عن وجعك الذي طال. لا تحكي عن دولةٍ تعرف تمامًا كيف تقسو على المستضعفين فيها، وكيف تلوك فقرائها، وتمضغ مساكينها، وتحاصر آحرارها. الدولة تعرف كيف تفعل كلّ هذا، لكن شيئًا واحدًا لم تتقنه منذ اليوم الذي وجدت فيه على البسيطة، وهو كيف تحاسب حكّامها، وتسأل المتهمين فيها من أين لهم كلّ هذا.

قامت مجموعة تطلق على نفسها RYV (علّي صوتك) باختراق عدد من المواقع الحكومية اللبنانية، منها موقع رئاسة الجمهورية، وموقع وزارة الطاقة والمياه، وموقع مديرية الأمن العام… وذلك بهدف عدم الرضوخ للوضع اللبناني المهزلة وحثّ الشعب اللبناني على التحرّك أمام غلاء المعيشة غير المعقول، وانقطاع التيار الكهربائي غير الطبيعي، وغلاء الوقود، وغلاء كلّ شيء إلى سعر المواطن اللبناني الذي بقي بنظر الدولة اللبنانية أرخص من الفجل.

Advertisements