من وين؟

Posted on أبريل 13, 2012

0


تتسلسل بأسئلتك، اسمك، إن لم تعرف إجابة للسؤال الذي يدور في عقلك، تستمر. ما اسم مدينتك، قريتك التّي ولدت فيها، ما اسم والدك وأمّك، تتسلسل حتّى تعرف لأيّ طائفةٍ ينتمي. هل هذا الإنسان المتربّع أمامك مسيحي أو مسلم، هل هو شيعي أو سني. تريد أن تعرف لا لشيء، بل لتزداد راحتك بالكلام، لتعرف أنّه يهوى ما تهوى، لن تزعجه إذا انجرف حديثك إلى كنتونات ومعسكرات ومناطق محظورة. كلّنا معجونٌ بالطائفية إلى أخمص قدميه، كلنا يتحمّل تبعة السكوت عن البلد المطرّز بطوائفه، هندومةٌ هو يرتدي الثوب فوق الثوب ، يجمع على جسده ما شاء من ألوان ليظهر أمامنا لوحةً مشعثّة لا تنمّ إلى الطبيعة بصلة.

لا أعرف عن الحرب الأهلية شيئًا سوى أنّها يجب أن تذكر كي لا تعاد. أعرف من بدأها وكيف انطلقت شرارتها، وكيف انزلقت في المذابح والقتل والمقابر الجماعية. لكن أحدًا لا يرغب في أن يعترف، لا يرغب في أن يصرخ ويقول أنا القاتل، أنا من روّعت البشر، أنا من خطفت وذبحت بالسكين، أنا من كنت أقاتل فداءًا لزعيم. حتّى المقابر الجماعية التي تملأ باطن الأرض لا يجوز لها أن تظهر للعيان، تغطّى بسرعة، تدمل بالتراب دون عودةٍ لنبش الماضي. تذكر كي لا تعاد، ليس فقط بالاسم، ليس فقط بصورة التقطت من زمنٍ غابر، أو بتجمعات لشعبٍ نعرف أنّ رصاصةً واحدةً قادرةٌ على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء. يجب أن تذكر حقيقةً كي لا تعاد واقعًا مفروضًا.

الطائفية مازالت تنهش بلحمنا وروحنا، مازالت خطوط التماس التي كانت حدود المليشيات محفورة في قلوبنا عن قصد أو بدونه، أعرف أنّ في الوطن مناطق لهم ومناطق لنا، لا أتخيّل نفسي أتجوّل في أزقة بشري تمامًا كما لا يتخيّل جعجع نفسه عابرًا أوتستراد السيد هادي. ربّما تكون مجرد مشاعر، لكنّني حقًا لا أرى الوطن بكامله وطني، كأنّ هنالك مناطق محظورة، كأنّ وراء حدود منطقتي بشرٌ يختلفون عنّا.

<h3منذ مدّة صديقةٌ عزيزة كانت تخبرني عن زيارتها للضاحية، أحسست من خلال كلماتها وكأنّها قد أنجزت مهمّة عظيمة، على نفسها هي أهيب من تسلّق قمّة إفريست، ربّما لم تتخيل يومًا أن تخطو في تلك المنطقة. قالت أنّها توترت كثيرًا، خافت من أن يعرفوا طائفتها الحقيقة. شعرتُ بالإرباك يومها، أحسست أنّها توّجه سهامها لي، قفزت في رأسي جملة ربّما كانت تتردد في الحرب الأهلية، وراء خطوط التّماس يعيش الوحوش ،وراء خطّ التماس يسكن قاتلك.

نحن اللبنانيون وصلنا إلى مرحلةٍ من الخدر الطبيعي، لم نعد نهتم لشيء، لم يعد يهمنا حل العقد النفسية التي أفرزتها الحرب الأهلية، بل ترانا نعمد على ترسيخها. لا نحاول الخروج من صورٍ نمطيةٍ كانت من نسج عقولٍ عايشت الحرب. لم نعمل على إذابة معالم الحرب الأهلية من أرواحنا قبل أن نغير معالم البلاد. لم يقدر لبنان إلى الآن أن يصبح وطنًا واحدًا لكلّ أبنائه. ظلّت الطائفية تتربع على كل تفصيلٍ صغير في أمور دولته. امتحاناتٌ لمجالس الخدمة تُعاد لأنّ طائفةً معينة تجاوزت في أعداد ناجحيها الحصّة المفترضة لها. أينما ذهبت تصطدم بالطائفية، في كلام الناس طائفية، في نظراتهم تقسيماتٌ مذهبية.

في كلّ سنة تعاد ذكرى الحرب الأهلية، ويعاد الكلام عن ضرورة العمل على إلغاء موضوع الطائفية، والسعي لبناء لبنان واحدٍ لا مقسّمٍ ولا مفدرل. كل عام منذ أكثر من ثلاثين سنة ونحن نعيد الكلام، وندور في نفس الحلقة المفرغة، نتذكر ونتذكر لكن شيئًا لا يتبدّل. أصبحت الذكرى عبئًا ربّما على قلوبنا. كلّ عام ونحن نقول لا للحرب الأهلية، لكن في أيّ دقيقةٍ بعد تلك الذكرى، ترى الناس قد نسوا كلّ الكلام وتحلّقوا حوّل الزعيم وتكاتفوا يدًا بيد ضدّ جماعةٍ أخرى في البلاد.

الشعب في لبنان ذاكرته قصيرة المدى، لا يتربّى من عنفٍ واضطهاد، لم تفرق معه لوائح من الأشخاص المخطوفين الذين لم يظهروا منذ ذاك الزمان، الناس في لبنان يتناسون القاتل، ويتناسون المجرم، ولا يحاسبون أحدًا خوفًا من مسّ مشاعر الأفرقاء، الناس في لبنان لا يعرفون أنّ الحرب كي تموت ذكراها ولن تعاد عليهم بمحاسبة الميليشيات، وكل من شارك في القتال، كل من سلّح وأعدّ العدة لمقاتلة من يسكن معه البلاد، محاسبة أباطرة الحرب والطاقم السياسي الذي سلّم الوطن لعقلٍ جماعي مجنونٍ لا يتوانى عن حفر قبره بيديه.

من وين؟ أنا من لبنان.

Advertisements