الضحية وإن حكت/ الاعترافات

Posted on أبريل 10, 2012

1


الصداع الذي أصابك أصابني وشطرني إلى نصفين بل ربّما أكثر. لم تكن محض خيال من نسج كلمات كاتب، كنت حقيقة تجسدت أمامي. لم أكن قادرةً على التقاط أنفاسي. انفجرت رغمًا عن نفسي التي تمقت البكاء، وتعتبره نزوة ضعف. رأيتك أمامي، بحيرتك، ومناماتك وذكرياتك التي لا تنتهي. كم أرهقتني ذاكرتك، تلك التي تشبه القصر، غرفٌ كثيرةٌ ودهاليز وأقبية. تتذكر وتروي، تتذكر وتحكي بألم وضياع.
كسرتني تلك الرواية، جعلت طعم المرارة يسيل في فمي. أغرقتني في عالمها، سحبتني إليه. صرت أرى شخوصه وأبطاله وأحداثه التي ليست خيالًا. لم تكن يومًا خيالًا. لم أعش الحرب الأهلية، لكنني عشت مصطلاحاتها. عشت على الخط الوهمي الذي حفرته ربّما أنا دونًا عن غيري في قلبي. عشت في صيغة النحن والهم، نحن لنا مناطقنا وهم لهم مناطقهم، لا نقرب ولا يقربون إلّا بزيارة قد تكون خارج سرب المألوف.
” أبي كان يخطف الناس ويقتلهم، أخي يقول أنّه رأى أبي يتحول في الحرب من شخصٍ يعرفه إلى شخصٍ لا يعرفه..” الحرب التي يتكلمون عنها هي في نظر كلا الفريقين حربٌ مقدّسةٌ لحماية البقاء. الخطف والذبح وإطلاق الرصاص على جماعةٍ فقط لانتمائهم الديني أو العرقي هي ما تُسمى حربًا أهلية. ليس الغريب كيف اشتعلت شرارتها، فقتيلٌ واحدٌ من طائفةٍ على يد أخرى يحرّك العقل الجماعي ليصبح أقرب إلى همجي همّه الانتقام.
الغريب هو كيف انتهت تلك الحرب، كيف اختفى القناصّة عن السطوح، وكيف ذابت حواجز التفتيش الفجائية التي ترى في قتل الآخر راحة من همٍّ يثقلها. الغريب هو أنّه عندما يتصالح الكبار، أولئك الأباطرة الذين يحكمون من خلف حجاب، لا ينظر أحدٌ إلى المقاتلين الذين سكنوا الطرقات، وظنّوا أنّهم يحاربون من أجل هدفٍ سامٍ لا يلبث أن يتحطّم أمام أول هدنةٍ وأول اتفاق.
في كتاب ربيع جابر “الاعترافات” بوحٌ يقلقك. يسري في جسدك فتصيبك قشعريرة من جرّب شيئًا ويهاب أن يعيد الكرّة ويقع فيه. يذهلك الكاتب بحجم اعترافاته. ما جرى كان على أرضي، من قُتل هم ناسي، والشعب الذي من المفروض أن يكون واحد.
من أين تأتي كلّ هذه الوحشية وكلّ هذا الانتقام. يتحدّث الكاتب عن الخطف والقتل وعن الجثث التي تفوح رائحتها المعفنة في البلاد، البلد كلّه تعفّن من أفعال ساكنيه، شاب شعره من هول ما رأى وما عاش. أطفالٌ يخطفون، أطفالٌ يقتلون، نساءٌ، مقاتلون يحتفظون ببقايا ضحاياهم، قتلٌ وقتل، دفاعًا عن الذات مرّة وخوفًا من الآخر مرّةً أخرى.
لم أعرفها مخيفةً لهذه الدرجة، لم أعرفها قبيحةً تأكل الجثث والأرواح، تحوّل الكائنات إلى وحوش، تدبّ الموت في كلّ تفصيل، تظلّل زوايا البيت، وأيّ بيتٍ بالسواد.
القاتل لا ينسى قتلاه، القاتل لا يمكن أن يغسل دماءً لوّثت يديه بالماء ولا حتّى بالزمان. القاتل يموت حسرةً بعد أن يحصي ضحاياه، يثقلونه، يزيدونه عبأًا فوق عبأ الحياة. القاتل لا ينسى رقبةً احتزّتها سكينه. وقع رصّاص رشّاشه في أذنيه قرع طبولٍ يظلّ يلاحقه.
والضحية تعيش مع القاتل، أخذها يوم كان ينفّذ جريمته، رقّ قلبه، بل ربّما حن، على الصبي الصغير الذي يمسح النوم عن جفنيه بدمائه، حمله ومضى به إلى عائلته. هو من الشرقية والطفل في حضنه من الغربية، حمله إلى عائلته، علّه يرقّع مزقًا أذاب قلبه، أراد للطفل أن يحل محل ابنه القتيل. الطفل الهابط من الغربية، الآتي من ما وراء خط التماس الذي يفصل منطقةً عن أخرى في قلب الوطن الواحد، يصبح ابنًا للعائلة المسيحية. الطفل لا يعي ماضيه، وحاضره تثقله صورةٌ لأخٍ صغير، ومستقبله ضبابٌ بضباب. يكبر الطفل في قلب العائلة، الأم المريضة التي تموت لاحقًا وبموتها تنشطر العائلة، وأخواته الأربعة، وأخوه وأبوه المشاركين بفاعلية في الحرب الدائرة في البلاد.
خيالات وذكرياتٌ مقيتة، قتلٌ على الهوية وانقسامٌ وانفصام، كأنّها حفلة قتلٍ جماعي، لا يُعرف فيها القاتل من المقتول من الضحية من الجزّار.
أصابني الكتاب بالصميم، لم أقدر أن أحبس الضيق الذي أرخى بظلّه على روحي. كم هو القدر مخيف، كم هو بائسٌ وحزين. كم الحرب كريهة، كم الإنسان إذا ما أصابه عمى الإحساس كتب على نفسه وعلى الآخرين الدمار.
” .. هذا أخي الكبير، أخي الصغير لم أعرفه، أعرف صورته، أعرف وجهه، يشبهني في الصور، كان يشبهني أكثرر ممّا يشبه أخي الكبير، أسمّيه أخي الصغير، وكنّا كلنا في البيت نسمّيه، في رؤوسنا نسمّيه، حتى مندون أن نذكره ونحن نحكي، كانت صوره تملأ البيت، ماذا كنت أقول، أسمّيه أخي الصغير ولم يكن أخي الصغير، ولكنّه الصغير لأنّه ظلّ صغيرًا، لأنّه لم يكبر، لأنّهم قتلوه وهو صغير.”

Advertisements