رصاصٌ من الشمال

Posted on أبريل 9, 2012

2


ماذا بقي لنا من هذا الوطن، حدوده الجنوبية كيانٌ غاصبٌ يتربص به، حدوده الغربية بحرٌ لا يرحم، حدوده الشمالية فوضى واضطرابات ورصاصٌ يُطلق بعشوائيةٍ كأنّنا نجاور دولةً عدوة.

ماذا بقي لنا من هذا الوطن، وأرضه مستباحة لأي يدٍ غريبة، تعبث به وبناسه دون رقيب. وكأنّ أرواحهم ليست ملكًا لهم، باعوها لبلادٍ لا تعترف بهم، لا تحميهم يوم يحتاجونها. لمن الرصّاص المحشو في البنادق، لمن الحدود التي لا تعرف حرّاسها، لمن الدبابات ونقاط العسكر، لمن الأمن إن لم يكن لمواطن.

يا عزيزي الذي يتأبط الكاميرا سلاحًا، شهيدُ مجهولٌ أنت، شهيد العشوائية وفوضى الرصاص، شهيد الوطن الذي لا يرحم، يلتهم أبنائه بنهمٍ غير طبيعي، يلوك أجسادهم، ويبصقهم، ليمشي في جنازتهم بعد ذلك ويحضنهم في بطن أرضه بعد أن عجز عن إبقائهم أحياء على ظهره.

خلف الكاميرا كان يقف، يسجّل بعدسته شتّى الأحداث، يخلق حربًا، يصنع سلمًا، يثير شعبًا، يفضح مؤمرات. هو وحده، دون أن يلتفت إليه أحد، يرسم إطار الحكاية، يحدّد أبطالها، يسرد آلامهم، يخلّد ذكراهم، يتنقّل بخفّة بين الزمان والمكان، لا يهمّه ليلٌ أو نهار، نارٌ أو دمار، المهم عنده أن تصل صورته ملايين الأعين كما أراد.

هو لا يبغي الشهرة ولا الربح، لا يريد من أحدٍ أن يعرف اسمه، يظلّ مجهولاً بلا رسم، رغم أنّ الكاميرا تمسك بيده، كلّ ما يحلم به هو إيصال الصورة تمامًا كما هي.

وعينه سلاحه، يصوّبها باتجاه الهدف، يحدّد موقعه بمهارة قنّاص، يطلق أضوائها لينير عتمة الحدث.

هو هناك، والكلّ كان يهابه، يحاولون إيقافه بشتّى الوسائل، يقطعون عليه الطرق، يحاصرونه، يرمونه بالنار، يقتلونه، تخترق جسده طلقات الرصّاص، لكنهم لا يعلمون أنّ سلاحه لا يموت، وأنّ كاميرته ستبقى حيّة إلى أجيال وأنّ يدًّا أخرى ستنتشلها غدًا، قبل أن يجفّ تراب قبره لتعيد أحياءها، وتسجّل الأحداث دون خوفٍ من رشاشٍ ويدٍ سوداء تحاول اغتيال ما تبقّى لنا من حقيقة..

الرصاص يخترق الجسد لكنه أبدًا لن يقتل الأرواح. روحك ستبقّى حيّة فينا، علي شعبان، شهيدٌ آخر من شهداء الصحافة اللبنانية. لروحه الراحة والسلام، ولرفاقه دعوات الشفاء.

استشهد المصوّر إثر تعرض موكب تلفزيون الجديد لإطلاق نار على الحدود اللبنانية السورية.

Advertisements
Posted in: إعلامنا