السقوط

Posted on أبريل 9, 2012

0


أذكر هذا اليوم جيدًا، يوم سقطت بغداد. أذكر يوم وقع تمثال صدام حسين على الأرض. وغطّاه العلم الأميركي. أذكر كيف بدأ الرجال يضربون التمثال بكل ما يملكون، بأحذيتهم وخفافهم، كأنّهم بذلك يقتصون من الرجل الذي أرعبهم وحكمهم بالخوف وبالأساطير. الرجل الديكتاتور الذي لم يتورع عن قتل شعبه، أبادهم بأسلحة كيماوية، قامر بهم، جوّعهم، عذبهم، كان سفّاحًا لا أكثر.
أعوامٌ مرّت على سقوط بغداد، وعلى النهب الذي ساد البلاد، إلّا من آبار النفط التي طوّقت . أعوامٌ مرّت والسيارات المفخخة مازالت تحصد ما تبقّى من أجساد. الموت لم يمل بعد من جمع أرواح العراقيين. الوضع مازال على حاله، مسؤولون يتحصنون في منطقة خضراء، وشعبٌ يُحصد بمناجل مختلفة.
أعوامٌ مرّت على سقوط بغداد، وكردستان غدت دولة، أكثر من أوروبية وأقرب إلى إسرائيلية. فيها الأمن والآمان. لا دخل لها بمستنقعات النار التي تلف العراق. أعوامٌ مرّت والطائفية تنهش البلاد، صراعات تختمر بمساعدة كافة الأطراف. لا يتورع أحدٌ عن تقسيم كلّ شيء، كأنّه محتمٌ علينا أن نبقى ندور على أنفسنا في نفس الحلقة التي تمتصنا منذ ألف عام.
أعوامٌ مرّت على سقوط بغداد، وبعدها تهاوت العواصم العربية واحدة واحدة، مدينة الحاكم الأبدي لم يعد لها من وجود، سقطت طرابلس الغرب، وتونس، والقاهرة، ولكن هذه المرّة بيد الثوّار. ودمشق مازالت تنتظر شعبًا أضاع بوصلته وضلّ الطريق.
لماذا مكتوبٌ علينا أن نُحكم من قبل متجبرٍ لا يعرف الفرق بين ثمن الكرسي وثمن الشعب. لماذا محكومٌ علينا أن نطأطأ الرأس للرئيس وهو من يدوس بنعله على رقابنا، كأنّه منّةٌ هبطت علينا من السماء. لماذا كلّ ما لدينا يتحول إلى ديكتاتورٍ وديكتاتوريةٍ وأنظمة قمع. لماذا علينا أن نتعاطف مع غزوٍ خارجي على بلدٍ عربي ونفرح لسقوط عاصمةٍ تخلصت من شبحٍ أسودٍ كان يظلّل على كل زاويةٍ من البلاد،
غرف التعذيب، وصور المقابر الجماعية، وإذابة الأطراف بالأسيد. تلك القسوة التي لا تعرف من حدودٍ فداءًا لرجلٍ واحدٍ، وحزبٍ واحد. لماذا علينا أن نظل نرفض المساواة في الحرية ليأتي من يفرضها علينا في العبودية.
يا رب، من أين يأتي هؤلاء الحكّام. من أي رحمٍ يولدون. لا رحمة في عهدهم ولا حلّ بعد رحيلهم. كأنّهم يتكاثرون من ذرّاتٍ الغبار. لا يلبث أن يرحل واحدٌ منهم حتّى يأتي من هو أسوء منه وألعن. هل المشكلة في أرضنا التي لا تعرف إلّا أن تنجب الأنبياء. أنبياءٌ في الدين، وأنبياءٌ في السياسة، وأنبياءٌ في المال والاقتصاد. يأتون كقدرٍ نازلٍ من السماء، ويرحلون إلى جهنم ليتركوا أبوابها مشرّعةً تمتد بنارها لتشعل كلّ ما خلفّوه ورائهم. لا بوجودهم نعيش ولا برحيلهم نعرف كيف نعيش.
أعوامٌ مرّت على سقوط بغداد، والمنطقة لا تعرف الهدوء، كأنّها بحرٌ يغلي، نشعر بشيءٍ كبيرٍ مخيف قادم. أشباحٌ كثيرة تحوم حولنا، شبح حروبٍ أهليةٍ يرفضها الجميع في العلن لكنّهم يعدّون لها السلاح، شبح حروبٍ طائفية ومذهبيةٍ يراها البعض جهادًا مقدسًا، شبح حربٍ عالميةٍ لا تعرف من ساحةٍ لمعركة غير بلادنا.
صدّام، مبارك، القذافي، بن علي، كلّهم سقطوا للآن منذ سقوط بغداد. ماذا نفعت كلّ عقود الإضطهاد غير أنّها أفرزت شعوبًا تعاني من عقدٍ نفسيةٍ تحوّل كلّ شخصٍ إلى مشروع ديكتاتورٍ صغير. ماذا استفدنا غير أنّها قتلت الوعي فينا، أقعدتنا في زاوية العالم، نعاني من شللٍ كاملٍ، حتّى إذا قررنا أن نثور كانت خطواتنا ناقصة، واستعجلنا صعود ديكتاتوريةٍ أخرى لحكم البلاد ولو كانت بصورةٍ أخرى.
اللعنة على كل ظالم، اللعنة على كل ديكتاتورٍ مصيره حتمًا الزوال، اللعنة عليكم جميعًا لأنكم فرضتم علينا السقوط منهجًا في الحياة.

Advertisements